كُلٌ يحييها بطريقته

بالصور أسواق القدس.. تمسكٌ بالهوية رغم انتهاك الاحتلال

حجم الخط
سوق الحصر.jpg
فاتن عياد الحميدي - وكالة سند للأنباء

بين أزقة تدلت على جدرانها العتيقة أزهار الياسمين، وأضواءٌ تُنير قلوب محبي المدينة المقدسة لا الطريق فقط، ترتفع أصوات الباعة والمتجولين، وتتصدع من قوة الصوت والثبات ثكنات عسكرية تفرض قيوداً ستلتف على عنقها يوماً ما.

رائحة الحضارة والطُهر تخرُج من أسواق البلدة القديمة في مدينة القدس، متحديةً أشكال العذاب والتضييق، لتُعلِن تمسكها بالتراث والهوية، بالأصالة والقضية، بكل ما يرمز للعراقة الفلسطينية، حتى الرمق الأخير.

في جولةٍ اختارتها "وكالة سند للأنباء" لتتجول في أروقة أسواق القدس؛ لترصد تمسك الفلسطينيين بتراثهم رغم شدة ما يفرضه الاحتلال الإسرائيلي من قيود.

"أسواق البلدة القديمة"

يحدثنا رئيس لجنة تجار القدس حجازي الرشق، "البلدة القديمة في القدس هي أكبر مول تجاري في العالم، لاحتوائها على 8 مداخل كل مدخل فيها هو سوق يضم محالَ تجارية وبزارات".

بالعودة للتاريخ، يقول "الرشق"، قبل عام 1967 كان هناك بزاران رئيسيان في مدينة "سويخة علون" بالقدس لبيع الخضروات والفواكه والمنتجات، وكانوا يعتمدوا في مبيعاتهم وربحهم على سكان البلدة القديمة وحارة المغاربة.

ومع دخول الاحتلال للمدينة، قام بهدم حي المغاربة على بكرة أبيه " وهو حائط البراق حالياً"، و تهجير حي الشرف، ما أدى إلى تراجعٍ واضح وانقطاع للقوة الشرائية، في ظل التهجير ومنع الاحتلال بناء المنازل أو بناء الأسواق.

أسواق.jpg

 

سوق الحصر.jpg

 

سوق العطارين.jfif

 

ويوضح ضيفنا، أن هناك 8 أسواق رئيسية في البلدة القديمة بالقدس، هي: سوق العطارين، سوق اللحامين، سوق الخواجات، سوق الحُصُر، سوق الدباغة، سوق الباشورة، وسوق خان الزيت.

لم تسلم هذه الأسواق من الانتهاكات الإسرائيلية واعتداءات الاحتلال، والتي كان لها الأثر الكبير في إغلاق جُل المحلات الموجودة في هذه الأسواق.

يقول "الرشق" يحتوي سوق الخواجات على 63 محلاً تجارياً، أُغلق منه 51 محل، كما أُغلِق 70% من سوق الدباغة والذي كان أحد أشهر الأسواق في فلسطين لبيع الذهب وتجهيز العرائس.

ويتابع، يشمل السوق العطارين 100 محل أُغلق منهم 10 محلات، والحال أعظم في سوق اللحامين الذي أُغلق فيه 60 محلاً من أصل 73 متواجدين فيه.

"سرقة للهوية"

وتعود هذه الإغلاقات إلى إجراءات الاحتلال من فرض القيود والضرائب والإغلاقات المستمرة، إضافة إلى الثكنات العسكرية المتواجدة أمام البلدة القديمة، ما أدى لانقطاع السياحة وبالتالي ضعفت القوة الشرائية، فأُغلِقت المحلات.

لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بانتهاكاته في الإغلاق والمنع، وسرقة أرض فلسطين إنما تعدى ذلك ليكون سارقاً للتراث أيضاً.

يبيِّن ضيف "سند" أن هناك سوقاً إسرائيلياً بجانب سوق الباشورة يُدعى سوق "كاردو"، يستقطب الأفواج السياحية ويبيع المشغولات الفلسطينية على أنها صناعات إسرائيلية، وذلك بعد شراء التجار الإسرائيليين المنتجات الفلسطينية ونسبها للاحتلال.

"إحياء للتراث"

وفي محاولة لإحياء التراث والحفاظ على الهوية الفلسطينية، تحدثنا فاطمة خضر مسؤولة بازار حي البستان للإبداع في البلدة القديمة، وإحدى المرابطات في المسجد الأقصى، أن حبها للتطريز الفلسطيني ألجأها للعمل في هذا المجال.

وتتابع ضيفتنا بلهفة المحب، أن التطريز كان هواية لها من عمرها الثاني عشر، أرادت به إحياء التراث الفلسطيني في مدينة القدس، في ظل تردي الوضع الاقتصادي في المدينة.

لم يُثنها إبعادها عن المسجد الأقصى لـ6 أشهر، وسحب جوائزها وأي تكريمٍ حازت عليه، عن استمرارها في الدفاع عن القدس بطريقتها.

وتحدثنا "خضر" أنها أرادت دعم المرأة المقدسية التي تمتلك الإبداع والشغف، فقد عملن في بازار "البستان" منذ 3 سنوات ونصف، لإحياء السوق الشعبي في المدينة، وحفاظاً على الهوية الفلسطينية المقدسية.

وتشير "خضر" إلى تنوع المشاريع في البازار، والتي تعطي للنساء والشابات الرياديات فرصةً لعرض منتجاتهم ومشغولاتهم، وكذلك عرض وتسويق المأكولات الفلسطينية التي يسعى الاحتلال لسرقتها.

وتؤكد على إقامتها المستمرة لدورات في تعليم التطريز الفلسطيني وصناعة الخزف والنسيج، مشددةً على أن التراث هو هويتنا، وواجبنا تجاه الهوية الفلسطينية الحفاظ عليها من دنس الاحتلال، ومن سرقاته المتتالية.

ومن جمال التراث إلى جمال الورد، الذي يفوح منه عطرين، رائحته الزكية، وعطره الذي امتزج بتُربٍ طاهرٍ عرف فيه الورد أن هذا بيته، وهذه أرضه.

مطرزات.jpg


 

بازار.jpg

 

مشغولات يدوية.gif

 

"جمالُ وردة"

فاطمة خليل (25 عاماً) إحدى العاملات في بازار "البستان للإبداع"، تحافظ على التراث والرموز الفلسطينية بطريقتها الخاص، وذلك بصناعتها الإكسسوارات بالورود وأوراق الشجر التي ترمز إلى فلسطين أو القضية الفلسطينية، كأوراق أشجار الزيتون، وشقائق النعمان، قرن الغزال والعديد من الورود التي تُزهر في الحقول الفلسطينية.

"هذه ورودٌ نادرة، كونها لا تتواجد إلا في فلسطين والأردن والعراق ودولٌ قليلة" هذا ما قالته "فاطمة" عن نوع الورد الذي تستخدمه في صناعته، حيث يتواجد في المناطق الريفية، والحقول الفلسطينية.

تستخدم "فاطمة" مادة "ريزن" لحفظ الورد من التعفن أو تغير اللون، ومنع حساسية الجسم منه، فتقوم بصناعة إكسسوارات مميزة دون تكرار في القِطَع.

أما عن المواسم، تصنع "فاطمة" الإكسسوارات من الورود المتواجدة في ذلك الموسم، ففي فصلي الخريف والشتاء، تستخدم الأوراق الجافة المتساقطة، وأوراق الزيتون وبذره، فتجمع كميات كبيرة في كل موسم تكفيها لنهايته.

وهُنا بشاعة الاحتلال أكبر من أن ترى جمال وردة ويشم عطرها، الورد حُب، والاحتلال لا يعرف للحُب طريق، ولا يشمُ سوى رائحة البارود والدخان.

ورد..jpg


 

ريزن.jpg

 

"حَط ضُمة الورد تحت رجله"

"حَط ضُمة الورد تحت رجله"، مشهدٌ لا يقل عن قسوة رصاصةٍ تخترق جسد طفل، بعَبرة خانقة تروي لنا "فاطمة" بشاعة الاحتلال، بدءاً من مرورها بأكثر من حاجز تفتيش، وصولاً إلى الحقل الذي تأخذ منه الورد.

وتتابع "ضيفتنا" أنها تعرضت للمساءلة أكثر من مرةٍ من "حماية البيئة" التابعة لسلطات الاحتلال، حيث تُمنع من جمع الأزهار في حين أنها أخذت إذناً بالدخول من صاحب الحقل أو الأرض.

وكنوعٍ من أنواع التعذيب، يضع جنود الاحتلال باقات الورد تحت أقدامهم ويتلفوها على مرأى من صاحبتها.

وتؤكد "فاطمة" أنه مهما بلغت بشاعة الاحتلال، لن توقف قلباً تعلق بحب هذه الأرض، وتمسك بتراثها وهويتها وقضيتها، فإن أتلف الاحتلال وردة، ستُزرع ألف أخرى و"نرويها بدمائنا".

ورد.jpg