بعد تراجع شعبيته.. الجيش لم يعد كما كان في عيون الإسرائيليين

حجم الخط
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

حتى وقت قريب، ظل الجيش محاطاً بهالة من القداسة في عيون الجمهور الإسرائيلي، جعلته بعيداً عن سهام النقد والمسائلة، كيف ولا وهو في نظرهم القواعد التي قامت عليها ، والجهة التي توفر لهم الأمن، ذلك العصب الحيوي في شريان إسرائيل.

لكن مع مرور الوقت، وتكشف بعض الحقائق حول المؤسسة العسكرية، بدأت هذه الهالة بالتآكل، انعكست على شكل انتقادات قاسية من طرف مجلس الوزراء والكنيست ومؤسسات المجتمع المدني نتيجة عدة عوامل، بضعها داخلي والكثير منها خارجي مرتبط بتبعات الصراع مع الفلسطينيين.

آخر المؤشرات على حدوث تحول في الرأي العام الإسرائيلي تجاه جيشه، نشرها بالأمس القريب المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، الذي سجل تراجعاً في ثقة اليهود بالجيش الإسرائيلي.

وحسب استطلاع للرأي أجراه المعهد تحت عنوان "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية للعام 2021"، فإن ثقة اليهود بالجيش انخفضت من 90 % في حزيران/يونيو إلى 78 % في تشرين أول/أكتوبر من العام الماضي، وهي النسبة الأكثر انخفاضاً منذ العام 2008.

أداء إعلامي وعسكري فاشل

وجاء في التقرير الذي وُضع على طاولة الرئيس الإسرائيلي "يتسحاك هرتسوغ"، بأن أداء الجيش العسكري والإعلامي خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، كان أحد أسباب تراجع الثقة في مؤسسة الجيش برمتها.

وأشار التقرير إلى أسباب أخرى كتورط الجيش بأحداث عسكرية لغايات سياسية، وحوادث الانتحار المتكررة والتي كان آخرها حادثة انتحار ضابط الاستخبارات داخل سجنه لأسباب نفسية.

وحسب التقرير، فإن تورط الجيش في تزوير معطيات التجنيد في صفوف المتدينين اليهود والتضليل في الأرقام لغايات إظهار وجود تجند كبير في صفوف بشكل يجافي الحقيقة، اعتبر سبباً آخر للتراجع.

وشدد التقرير على أن أداء الناطق باسم الجيش "أفيخاي أدرعي" واستمراره بالكذب والتضليل أمام الجمهور الإسرائيلي، شكل سبباً إضافياً لتراجع ثقة الجمهور الإسرائيلي بالجيش.

واستشهد التقرير بنشر "أدرعي" صور كاذبة لقاعدة "حتسور" الجوية ليثبت عدم تعرضها لأضرار بعد غرقها بمياه الأمطار ونشر صور طائرات لم تتضرر من الفيضان، الأمر الذي جعله مدعاة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

حاضر ومستقبل إسرائيل

وقال المختص في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور "إن الجمهور الإسرائيلي كان ينظر للجيش على أنه مؤسسة مقدسة، فهي التي وحدت المجتمع وصهرت كل مكوناته المتباينة وغرست فيه القيم الصهيونية".

وأكد منصور لمراسل "وكالة سند للأنباء"، على أن الجيش ظل فوق الخلافات والصراعات الحزبية وبعيد عن المصالح الذاتية فهو في نظرهم الضمان لبقاء إسرائيل، هكذا ينظرون إليه".

وأوضح منصور، أن الأسباب التي أدت لتغير هذه النظرة هو أ، "المجتمع الإسرائيلي نفسه تغير أيضاً، فهو يمر بمرحلة "ليبرالية" طغت فيه النزعة الذاتية والبحث عن النجاحات الفردية، فاليوم الكثير من الشباب الإسرائيليين يرون في دخول الجيش محطة لها ما بعدها وليست كل الحكاية المغلفة ببعد ديني ووطني".

وأشار إلى أن أغلب الشبان الإسرائيليين يفضلون الالتحاق بالوحدات التي لها علاقة بتكنولوجيا المعلومات، لتحسين فرص عملهم بعد الجيش، كوحدة السايبر 8200.

وأضاف "هيبة قادة الجيش تراجعت في نظر الجمهور الإسرائيلي، بدليل أن جنرالات كـ"غانتس ويعلون واشكنازي"، لم يحققوا مكاسب واضحة في انتخابات الكنيست، وهذا مؤشر إضافي على أن الجمهور لم يعد يثق بهؤلاء".

ويرى منصور أن المجتمع الإسرائيلي بات ينظر للجيش على أنه لم يعد قادراً على تحقيق انتصارات واضحة في معاركه التي خاضها خلال العقدين الماضيين ، سواء ضد حزب الله في لبنان أو حركة حماس في قطاع غزة.

ولفت إلى أن هذه المعارك لم تعد خاطفة وخارج حدود إسرائيل وباتت تهدد الجبهة الداخلية.

جيش أجير

ويتفق عماد أبو عواد الباحث في الشؤون الإسرائيلية مع ما وصل إليه منصور، فيشير إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يعد قادراً على حسم معاركه كما حصل في حروب 48 و67.

وأضاف خلال حديثه مع مراسل "وكالة سند للأنباء"، "تغير البنية الاجتماعية في إسرائيل زادت من نسبة الذين ينظرون للجيش نظرة سلبية، كما أن الشعور العام في إسرائيل هو أن جيشهم صار كأي جيش نظامي أجير وليس جيش الشعب".

وشدد على أن الشعور العام الذي بات طاغياً في إسرائيل، هو أن الجيش بات يسعى لمصالح خاصة لها علاقة بالميزانيات العالية والرواتب المرتفعة.

ولفت إلى أن عدداً من التقارير الإعلامية أشارت لوجود مظاهر فساد داخل الجيش، وتتحدث عن عدم الانضباط والتحرش الجنسي، وهي عوامل ساهمت في تغيير نظرة المجتمع الإسرائيلي للجيش.

وبين عواد، أن كل هذا سيؤدي في المحصلة لانعكاسات سلبية على المؤسسة العسكرية، حيث ستزيد الأصوات المنتقدة للجيش وستطالب بتقليص ميزانيته، كما ستؤدي لعزوف الشبان عن الانضمام إليه ووضعه تحت المجهر بشكل أكبر.

أصوات إسرائيلية

وقال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ورئاسة الأركان السابق "امنون شاحاك"، "إن العلاقة القوية بين الجيش والمجتمع المدني، قد اختلت، وأصبحت مصدراً للكآبة والاستقطاب والانغماس في الملذات واللامبالاة والاستغلال والانتهازية".

وأضاف "لقد ابتعدنا عن الأيام التي كان الجيش فيها مصدراً للاعتزاز والاحترام، وبات الناس ينظرون إلينا كمغفلين أو أصحاب ملايين، اليوم الإسرائيلي الناجح، كما يراه الكثيرون، هو الشخص الذي ينجح في البورصة، ويستثمر في العقارات، وعلى جواز سفره أختام تدل على قيامه برحلات للتزلج على الجليد والتسوق وقضاء الإجازات في الخارج".

و يرى البروفيسور "رؤوبين بدهتسور" من مركز دانيئل أبراهام للحوار الاستراتيجي أن "إسرائيل وخلافاً لكل الديمقراطيات في العالم، تتميز بالغياب المطلق للرقابة البرلمانية على جهاز الأمن".

وأضاف "في ظل غياب هذه الرقابة فإنه من غير الممكن منع حدوث أخطاء تؤدي إلى إخفاقات وإنفاقات مالية غير ضرورية؛ ومن غير الممكن مراقبة الموازنة الأمنية التي تقضم جزءاً كبيراً من الموازنة العامة بنسبة تفوق مثيلاتها في كل الدول الغربية ببضعة أضعاف".

وتضم المؤسسة العسكرية في إسرائيل العديد من الأذرع أهمها وزارة الدفاع، والأقسام المرتبطة بها، كالأجهزة الأمنية وحرس الحدود، وأجهزة المخابرات العسكرية والسياسية، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، والصناعات العسكرية، والمفاعلات النووية.