زيد ورهف ونمر.. صرخة الحياة الأولى دون والدهم

حجم الخط
ولادة-الأسيرات-موقع.png
لبابة ذوقان - وكالة سند للأنباء

تتلاشى آثار البنج رويداً رويداً.. تفتح عيناها، لا تقوى على الحديث بعد، تبحث عن الشريك والحبيب ورفيق العمر ليمسكَ بيدها فور خروجها من عمليتها القيصرية ليخفف عنها آلامها.. ويحمل طفله الجديد، ويكون أول المستقبلين لهما..

لكنها سرعان ما عادت لوعيها، ولحقيقة غياب زوجها الأسير.

هي المرة الثالثة التي تعيش فيها نهيل عصيدة آلام المخاض وفرحة منقوصة بقدوم مولود جديد، في ظل غياب زوجها الأسير محمد عصيدة (37 عاماً) من قرية تل قرب نابلس، وضعت نهيل قبل أيام مولودهما الخامس "زيد".

واعتقل عصيدة في الثاني عشر من مايو/ أيار الماضي، وتم تحويله للاعتقال الإداري لستة أشهر، وتم تجديد اعتقاله لأربعة أشهر أخرى، ليُحرم من حضور ولادة "زيد"، كما حرم قبلها من حضور ميلاد ابنيه رهف، ونمر.

وهن على وهن

في رحلة الوهن على وهن تتضاعف آلام زوجة الأسير، فرغم التفاف الجميع حولها في محاولة التخفيف من وطأة غياب الزوج، إلا أن قلبها يفتقد أكثر الناس قرباً، هكذا وصفت نهيل ما خالجها من مشاعر بعد ولادتها.

وتضيف لمراسلة "وكالة سند للأنباء": "الحمل وما يتبعه من تفاصيل وآلام وزيارات متكررة عند الطبيب، والتجهيز للمولود والأم والبيت والولادة، لكل منها معاناتها في ظل غياب محمد".

وتكتمل معاناة نهيل بعد الولادة، فتضيف: "عند خروجي من العملية القيصرية، أرى الجميع ملتفاً حولي إلا زوجي، الكل ينظر لطفلي يلتقط له الصور... لو كان محمد معنا لاحتضنه والفرحة تغمره، وأذّن في أذنيه الصغيرتين".

وقدّر الله أن يتمكن محمد من أن يؤذن في أذني طفله عبر سماعة الهاتف، "كان موقفاً صعباً جداً" تقول نهيل.

الاعتقال الأصعب

أمضى محمد أكثر من 9 سنوات في اعتقالات متفرقة في سجون الاحتلال، لكن الاعتقال الأخير هو الأول إدارياً.

وعن ذلك تقول زوجته: "وقع هذا الاعتقال هو الأصعب علينا جميعاً، فهو لم يستطع وداع الأطفال قبل اعتقاله".

وتصف لنا المشهد "اقتحم بيتنا ليلاً والأطفال نائمين، وبعد الاعتقال بأربعة أيام علمنا بحملي ب"زيد"، وتضاعفت المعاناة عند تحويله للاعتقال الإداري، دون تهمة ودون موعد محدد للإفراج".

وبعد اعتقال محمد بعشرين يوماً، أعادت قوات الاحتلال اقتحام منزله بعد منتصف الليل، وعاثت فيه فساداً وتخريباً وقلبته رأساً على عقب وسط حالة من الخوف والهلع عاشتها زوجته وأطفاله.

وجاء اعتقال عصيدة الأخير بعد شهور قليلة من وفاة والدته، التي كانت تجوب كل السجون مصطحبة أطفاله معها في اعتقالاته السابقة.

عرقلة التعليم

والأسير عصيدة حاصل على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة النجاح الوطنية، ويكمل دراسة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية في جامعة أبو ديس، إلا أن اعتقالاته المتكررة تعرقل مسيرته العلمية والعملية.

وضاعفت اعتقالات محمد المتكررة المسؤولية الملقاة على كاهل نهيل، كباقي زوجات الأسرى اللواتي تجبرهن الظروف على القيام بدور الأم والأب معا.

صدمة التمديد

ولصدمة تمديد الاعتقال الإداري حكاية ألم أخرى، ترويها دموع أطفال الأسير وأهله، فبعد أن تنقضي الشهور والأيام والساعات ثقالاً على قلوبهم، وتنتهي مدة الحكم، يصعقون بخبر تمديد الاعتقال مجدداً.

تقول نهيل: "لحظة وصول خبر تمديد الاعتقال لن تمحى من ذاكرتي أنا وأطفالي، الذي كانوا يعدون الأيام، وعندما وصلوا لليوم الأخير صدموا بتمديد الاعتقال لأربعة شهور أخرى.

وبحرقة قلب تستكمل نهيل: "كان الخبر كافياً لحرق قلوبهم وبكائهم حزناً وشوقاً لوالدهم، في تلك الليلة ذهبوا للنوم دون أن يحدّثوا أحداً من شدة حزنهم".

أمل رغم الألم

على الرغم مما مرّت به عائلة محمد في ظل غيابه، إلا أن ولادة ابنه زيد كانت لهم بمثابة حرية رغم أنف الاحتلال، كما تقول نهيل.

وتضيف: "كل هذا الألم لن يزيدنا إلا تحدياً وإصراراً ويقيناً بأن الفرج آت من رب العالمي، ونسأله تعالى أن يكون صبرنا في ميزان حسناتنا".