بين المضار والمنافع.. هل أضحى "يوتيوب" قدوة جديدة لأطفالنا؟

حجم الخط
طفل يوتيوب.jpg
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

عبثًا تحاول رنا جمال انتزاع جهاز الجوال من بين يدي صغيرتها تالا، تُحدق فيه عدة ساعات، تُقلّب "اليوتيوب" بحثًا عن فيديوهات جديدة، الأمر الذي أثر على قوة بصرها حتى اضطرت في النهاية لوضع "نظارة".

تقول جمال: "مع مرور الوقت صارت ابنتي ذات تسعة أعوام، تشكو من أوجاع في ظهرها، وأصبحت تفضل البقاء في المنزل أمام الجوال على اللعب مع بنات عمها، إضافة لذلك أصبحت تستخدم كلمات بلهجات عربية مختلفة، تارة مصرية وأخرى سورية".

وتضيف لـ "وكالة سند للأنباء"، :"في إحدى المرات طلبت مني ابنتي اقتناء قطة في المنزل، ومرة طلبت صبغ لون شعرها باللون الزهري، حتى حديثها مع نفسها ولعبها مع دميتها صار تقليدًا لما تشاهده على يوتيوب".

لكن في المقابل، ووفقًا "لجمال" فإن ابنتها حفظت الكثير من الأغاني من خلال "يوتيوب" ذات المعاني الإيجابية، وتعلمت من حيث لا تدري بعض السلوكيات الجيدة، كالعطف على الفقير وعدم إيذاء الحيوانات والمحافظة على النظافة والاعتماد على النفس.

وتشير "جمال" إلى أن أكثر القنوات التي تشهدها ابنتها على "يوتيوب" هي قناة "فوزي موزي" و"تالا وأمير" و"هيا ومرام" وغيرها من القنوات الخاصة بالأطفال.

القنوات الفلسطينية الأكثر مشاهدة

ووفقًا لموقع "سوشل بادي" العالمي المختص برصد الواقع الرقمي في العالم، فإن أكثر 3 قنوات فلسطينية مشاهدة على "يوتيوب" حتى نهاية 2021، هي قنوات خاصة بالأطفال.

واحتلت قناة "فوزي موزي" المرتبة الأولى بعدد مشاهدات بلغت 8.3 مليار، ثم قناة "دودي وفودي" بمشاهدات بلغت 1.1 مليار، في حين جاءت قناة "عمو صابر" في المرتبة الثالثة بواقع مليار مشاهدة.

ويعتبر "يوتيوب" ثالث أكثر تطبيق استخداماً في فلسطين بعد "فيس بوك" و"تيك توك".

كورونا أجبرتنا على "يوتيوب"

وفي الإطار ذاته، يشدد الخبير التربوي محمد بشارات، على أنه يستحيل القول إن هذا الكم الكبير والضخم من المشاهدات المليارية لا تترك أثرًا سواء إيجابيًّا أو سلبيًّا على نفسية الأطفال وسلوكهم.

ويؤكد على أن "يوتيوب" أصبح بالفعل الموجه الأول لأطفالنا وصار يحتل مرتبة ربما متقدمة على الآباء في المنزل والمعلمين في المدرسة.

ويضيف لـ "وكالة سند للأنباء": "أدت جائحة كورونا وما رافقها من انتقال التعليم إلى الشكل الإلكتروني، لامتلاك غالبية الأطفال أجهزة ذكية (جوال، تابلت، لابتوب)، فلم تعد هذه الأجهزة حكرًا على المقتدرين مادياً، وبالتالي أصبح يوتيوب مرجعاً معلوماتياً ووسيلة ترفيهية أيضًا".

ويردف "بشارات" أن هذا الموقع مليء بالمحتوى الذي يقدمه ما باتوا يعرفون بالمؤثرين الجدد أو المشاهير، وهؤلاء همهم الوحيد البحث عن المتابعين على حساب المحتوى نفسه أحياناً.

وينظرون الأطفال لهؤلاء المؤثرين على أنهم قدوات بدليل أنهم ناجحون ولديهم كل هؤلاء المتابعين الكثر، بحسب "بشارات".

الشهرة بدل الشهادة

ويتابع: "في زماننا كان حلمنا أن نصبح مهندسين أو أطباء أو معلمين، أما اليوم فأصبح هم الأطفال الوصول للشهرة من خلال "يوتيوب" وجمع المال من خلاله".

ويُكمل: "الخطورة في يوتيوب ليس بما يعرض من خلال فقط، وإنما أصبح وسيلة للتعارف أيضاً من خلال ميزة التعليقات التي تكون مرافقة للفيديوهات، مشيرًا أنه يعرف بعض المراهقين الذين ذكروا له أسماء صديقات لهم من تونس ومصر وأمريكا وألمانيا، وبعضهن عربيات وأخرى أجنبيات تعرفوا عليهن من خلال يوتيوب.

وعن أفضل الطرق للتعامل مع هذا الذي أصبح شرٌ لابد منه في حياتنا، ذكر بشارات: "المنع بشكل مطلق ليس حلاً فهو غير قابل للتطبيق أصلاً، المطلوب اليوم التركيز على التربية الرقمية وكيفية التعامل مع هذه الأدوات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، أخذ أفضل ما فيها والابتعاد عن أضرارها النفسية والجسمية".

ويرى "بشارات" أن هناك عبئاً ملقاً على عاتق الآباء، فالمطلوب منهم مشاركة أطفالهم بالمشاهدة، ليعرفوا طبيعة المحتوى الذي يتعرضون له، إضافة لذلك لا بد من وجود وعي مجتمعي كامل لمعرفة أضرار وفوائد هذه المنصات، وهذا يتطلب عملاً مشتركاً من الإعلام والتربويين".

ويشدد ضيفنا على أهمية وجود بديل مقنع للأطفال، يتماشى مع القيم الإسلامية، يعرض محتوىً جذاباً ويوجه رسائل إيجابية بطريقة غير مباشرة بعيدة عن التلقين.