لأول مرة منذ أعوام..

أسرى محرّرون يعيشون أجواء العيد خارج أسوار السجن بـ "شعور مختلف"

حجم الخط
أسرى
رام الله - وكالة سند للأنباء

بمشاعر الفرح الممزوج بالحزن على من تركوهم خلفهم في قلاع الأسر، يستقبل أسرى محررون عيدهم الأول تحت سماء الحرية، بعد سنوات طويلة من الغياب القسري، أنستهم طقوس وأجواء العيد مع أهلهم وأحبتهم.

"لا أستطيع التعبير عن فرحتي بالكلمات لحلول العيد وأنا بين أهلي" بهذه الكلمات بدأ الأسير المحرر عبد الرحيم بشكار(40 عاما) من مخيم عسكر بنابلس حديثه، بعد قضاء 40 عيدًا في الأسر خلال اعتقاله لعشرين عاما متواصلة.

ويحاول "بشكار" الذي أُفرج عنه قبل نحو شهرين، التأقلم والاندماج في تفاصيل حياة الحرية وأجواء تحضيرات العيد، يقول لـ"وكالة سند للأنباء": "لا يزال نظام السجن والعدّ والفورة، والجدران الأربعة راسخة في مخيلتي ولا تفارقني".

طقوس العيد والأجواء الفرحة التي تعجّ بها شوارع نابلس، أعادت "بشكار" إلى أعياد الزنازين، عن ذلك يُحدثنا: "بالتأكيد مختلفة كليًّا ولا مقارنة بين العيد هنا، وعيد الأسر، فأنا الآن لا أستيطع وصف فرحتي وبهجتي بحلول العيد بين أهلي وأحبتي وأصدقائي".

ويشغل الأسرى أوقاتهم قبل العيد بأيام، بتنظيف الغرف وترتيب الأبراش "الأسرّة" وساحة الفورة، في حين تشهد "صالونات الأقسام" ازدحامًا، فـ "الحلاقة" من العادات المقدسة ليلة العيد عند الرجال، ويحرص عليها الأسرى في المعتقلات.

وليلة العيد يبدأ الأسرى بتجهيز ملابسهم وتفقدها، ليستقبلوا العيد بـ "أبهى حلة"، ويعد تبادل الملابس بينهم أمرًا عاديًا، فمثلًا يُقدم الأسرى القدامى ما لديهم من فائض بالملبوسات لزملائهم الجدد القادمين من مراكز التحقيق للتو.

وفي صبيحة يوم العيد، يظل الأسرى مستيقظين بعد صلاة الفجر، مرددين تكبيرات العيد، ويتبادلون التهاني والأمنيات بأن يكون العيد القادم خارج أسوار السجن، ثم يتناولون الحلويات والفواكه لكنّ رغم كل الأجواء التي تُصنع لاختلاق الفرحة، تظل الأذهان شاردة "متى يكون العيد مع الأهل؟"

أجواء مختلفة

أما الأسير المحرر عنان عبد العزيز (43 عامًا) من سلفيت، الذي كان يسترق لحظات الفرح في 36 عيدًا أمضاها داخل زنزانته، فيقول: "الآن أعيش أجواء تحضيرات العيد وأنسى سنوات السجن الـ16.. العيد وأنا حرّ له طعم خاص أعجز عن وصفه بكلمات، فالكلمات لا تعطيه حقه".

ويسهب في وصف مشاعره لـ"وكالة سند للأنباء": "هنا أهل وأحبة وزوجة وأصدقاء، ومشاعر فرحة حقيقية لا ينغصها سوى فراق أسرى عشت معهم سنين طويلة أكثر مما عشت مع أهلي عائلتي".

وعن أعياد السجن يردف المحرر "عبد العزيز": "كنا نسترق لحظات الفرح الممزوجة بتحدي السجان الذي كان يحاول التنغيص علينا بكل الوسائل، نرتقب العيد قبل حلوله ونتجهز له، لكن مع محاولتنا إدخال الفرحة على أنفسنا في الأسر إلا أن غصة فراق الأهل لا تفارقنا".

ويحاول الأسرى في سجون الاحتلال صناعة حلويات العيد رغم إمكانياتهم البسيطة، في محاولة لخلق أجواء من البهجة تشعرهم بحلول العيد.

ويكمل "عبد العزيز": "بالسابق كانت هدايا العيد من الخارج أو من الأهل تبهجنا، لكن قانون "شاليط" عام 2010، أوقف الكثير من إنجازات الأسرى، منها منع إدخال الهدايا أو حاجات العيد إلينا من الخارج".

ويمضي: "بالرغم من ضخامة الاعتقالات وبشاعة ما يصاحبها ويتبعها، وفراق الأهل والأحبة وطول الفراق بعشرات الأعياد، لكنها لن توقف مسيرة شعب يصر على أن يستمر في مقاومته حتى استرداد أرضه ونيل حريته".

روتين السجن

ومن قلب أجواء الحرية التي تعيشها عائلة الأسير "عبد العزيز"، تقول زوجته أريج ماضي: "لا يزال عنان متأثرًا بأجواء وروتين السجن، كمواعيد النوم والعد وحساسية رؤية الأسلاك الشائكة وغيرها من التفاصيل".

وتعبّر "أريج" في حديثها مع مراسل "وكالة سند للأنباء" عن فخرها بزوجها وبالسنوات التي قدّمها من عمره في الأسر، متابعةً: "ندعو الله أن يفرج عن بقية الأسرى بصفقة مشرفة وتنتهي عذابات الأسرى الأبطال، ويفرحوا بكل الأعياد القادمة وهم بين أهلهم وأحبتهم وأصدقائهم".

فرحة مزيفة

"مهما كنا نحاول أن نخلق الفرحة ونعيشها داخل السجن، لكنها تبقى فرحة مزيفة فاقدة لمعناها الحقيقي"، هكذا وصف المحرر وليد حرب من بلدة اسكاكا قرب سلفيت عيد السجن، بعد أن أمضى قرابة عشرين عاما منفصلة بالاعتقال.

ويضيف "حرب" لـ "وكالة سند للأنباء":"عيد الفطر أو الأضحى داخل السجن يثير الأشجان، فنحن نشارك أهلنا وأحبتنا فرحة العيد بمخيلتنا أو من خلال الرسائل، وكنا نحاول قدر الإمكان أن نختطف لحظات الفرح".

ويتابع: "كانت تقتصر أجواء العيد داخل السجن على طقوس خاصة، مثل صلاة العيد والخطبة وتناول الحلوى، وتبادل الزيارات والتهاني بين الأسرى في أجواءٍ وحدوية بامتياز".

أجواء العيد التي تبدأ بالتلاشي تدريجيًا بعد صلاة الظهر في الأسر، يتخللها أيضًا تنظيم مسابقات رياضية وثقافية، لإضفاء المرح ولو بالقليل في الأرجاء، ثم مطالعة صور أبناء الأسرى وأقاربهم واستحضار الذكريات.

ويختم "حرب" حديثه: "إن محاولة الفرح وخلق أجواء السعادة في السجن تشعرنا ببهجة تحدي السجان الذي لا يحب أن يرانا نعيش لو سعادة مصطنعة"، معربًا عن أمله بأن يعيش "كل أسير الفرحة بمعناها الحقيقي بين أهله وأحبابه".