صوت الحقيقة المألوف في بيوتنا..

بالفيديو والصور بعد 25 عامًا من شهادتها على آلام الفلسطينيين.. رحلت شيرين أبو عاقلة

حجم الخط
شيرين ابو عاقلة
رام الله - وكالة سند للأنباء

"ليس سهلًا أن أغير الواقع، لكنني على الأقل كنتُ قادرةً على إيصال ذلك الصوت إلى العالم"، "شيرين أبو عاقلة – الجزيرة - القدس المُحتلّة".. ربما قرأت _عزيزي القارئ_ هذه الكلمات بنغمة صوتها الهادئ المألوف لدينا جميعًا، مستحضرًا وقفتها الشجاعة أمام عدسة الكاميرات لنقل المشهد كاملًا من فلسطين بمهنية وكرامة ووطنية.

بعد ربع قرن من شهادتها على جرائم الاحتلال الإسرائيلي وفظائعه بحق الإنسان، وأرضه، ومقدساته في فلسطين، وحرصها على نقل هذا الصوت إلى العالم، ارتقت "شيرين" شهيدةً برصاصة إسرائيلية، أثناء تغطيتها لأحداثٍ ميدانية بمدينة جنين ومخميها شمال الضفة الغربية صباح أمس الأربعاء (11 مايو/ أيار 2022).

الصحفية شيرين أبو عاقلة (51 عامًا)، ليست الضحية الأولى، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، فعلى مدار سنوات لم تحمي "الخوذة" ولا السترة الصحفية الواقية، أصحابها من الاستهداف الإسرائيلي المباشر، والمتعمد في كثيرٍ من الأحيان.

2.JPG
 

4D70C66D-63A9-456F-957A-92B7C651999F.jpeg
 

وباغتيال "أبو عاقلة" يرتفع عدد الصحفيين الشهداء في فلسطين إلى 55 منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، بالإضافة إلى 7 آلاف اعتداءٍ منذ عام 2013، يتمثل في اعتقالات وإصابات ومضايقات، وفق ما أورده نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر.

ويقول "أبو بكر" لـ "وكالة سند للأنباء" إن هذه الانتهاكات هي تعبير عن حجم الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسرة الصحفية، في ظل عدم مبالاته من أي ملاحقة قانونية جادة تلجم وحشيته.

ويؤكد أن الهدف من الاعتداءات، هو إرهاب الجسم الصحفي، ودفعه للعدول عن تغطية قضايا الشعب الفلسطيني العادلة، مطالبًا بتشكيل حماية حقيقية لحراس الحقيقة، ولجم الاحتلال عن الاستهداف المباشر والمتعمد لهم.

اغتيال "شيرين"، تزامن مع الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي اندلع بتاريخ 10 أيار/مايو 2021، واستمر 11 يومًا، وشنّت طائرات الاحتلال خلاله غارات على نحو 55 مقر صحفي في القطاع.

ويشدد رئيس لجنة دعم الصحفيين صالح المصري، أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتوقف يومًا عن استهداف الصحفيين وملاحقتهم بهدف إسكات صوت الحقيقة، والتغطية على جرائمه بحق الفلسطينيين أينما تواجدوا.

ويستحضر "المصري" في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" ما فعله الاحتلال خلال العداون الأخير قائلًا: "لقد دمرت طائراته بعد استهداف برج الجلاء مقار وكالات أنباء عالمية، كما أدت إحدى غاراته لاستشهاد الصحفي يوسف أبو حسين".

 

"منع وصول الرواية الصحيحة إلى العالم" هذه الحقيقة، اتفق عليها النشطاء والمغردون على منصات التواصل الاجتماعي، عقب استهداف "أبو عاقلة"، فالاحتلال لا يقبل بوجود رواية توثق معاناة شعب أعزل، والانتهاكات التي ترتكب بحقه، ونقل صوتهم إلى العالم بمهنية.

وبالرغم من الاستهدافات المتكررة للصحفيين الفلسطينيين الذين ترى فيهم إسرائيل جزءًا هامًا من الحدث، إلا أن ذلك لا يُثنيهم بعد كل جريمة على التأكيد بأنهم "سيواصلون عملهم بقوةٍ وبسالة حتى زوال الاحتلال وتحرير الأرض".

جرائم حرب..

مدير مؤسسة الحق شعوان جبارين، يُعلق على الاستهدافات المتكررة للصحفيين الفلسطينيين، بـ "أنها جرائم إعدام  عن سبق إصرار وترصد"، مؤكدًا أنها تصنف على أنها من "جرائم حرب" يتعرض مرتكبها للمساءلة والملاحقة وفق القانون الدولي.

ويوضح "جبارين" لـ "وكالة سند للأنباء" أن الهدف من هذه الجرائم "طمس الحقيقة، خاصة بعد خسارة إسرائيل في المجتمع الدولي بفعل ما ينقله الصحفيون للرواية الفلسطينية".

ويُكمل: "الاستهداف المباشر لشيرين بواسطة قناص رغم ارتدائها السترة الصحفية، يعني أن ما حدث هو جريمة إعدام ميدانية وقتل خارج القانون"، معربًا عن أمله بأن تُحرك هذه القضية بشكلٍ جدي في محكمة الجنايات الدولية، بالإضافة إلى الجرائم السابقة التي تحقق فيها.

يُشار إلى أن الرصاصة التي استهدفت "شيرين" استقرت في وجهها أسفل الأذن ما أدى إلى تهتك واسع للدماغ والجمجمة، ووفقًا لشهادة زميلها علي السمودي الذي كان برفقتها وأُصيب برصاصة في الظهر، فإن ما حدث "جريمة قتل بدم بارد تمت عن سابق إصرار وترصد".

ويلفت "جبارين" إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طلب من إحدى اللجان لديهم، تقديم تصورات حول توفير الحماية الدولية للفلسطينيين، "لكن حتى هذه اللحظة لم تتوفر الإرادة الدولية لتوفير ذلك".

ويتحدث عن مذكرة رسمية قدمها قبل أسبوعين، الاتحاد العام للصحفيين ونقابة المحامين الفلسطينيين للمدعي العام الدولي، حول استهداف الصحفيين والصحفيات بالقتل، وكلف الأمر قانونيا وقدمت مذكرة بذلك.

دعوات للتحقيق..

منذ الإعلان عن نبأ استشهاد الصحفية "أبو عاقلة" أثناء أدائها لعملها، توالت الإدانات وردود الفعل الفلسطينية، والعربية والدولية، والأممية الغاضبة، داعين إلى فتح تحقيق "فوري وشفاف بالجريمة الصادمة والشنيعة" ومحاسبة الجناة، كما نظم صحفيون ونشطاء، وقفات احتجاجية في عدة دول حول العالم.

66218FDC-DF83-4F05-A48C-1A1FFDC9B86B.jpeg

280195138_1003604410526719_8565018049299865229_n.jpg
 

إلى ذلك يُشدد المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم، على ضرورة فتح تحقيق دولي محايد، يتجاوز كل المعايير المزدوجة في التعامل مع الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية.

ويُضيف "ملحم" لـ "وكالة سند للأنباء" أن معايير المجتمع الدولي المزدوجة شجعت سلطات الاحتلال في ارتكاب المزيد جرائمها، وفتحت شهيتها للمزيد من عمليات القتل، مطالبًا باقتياد قادة الاحتلال لـ "الجنائية الدولية" ومحاسبتهم.

ويُنبه إلى أنه سيجري التقدم رسميًا لـ "الجنائية الدولية"، ومطالبتها بالإسراع بالتحقيق الدولي فيما وقع من جرائم، والتي كان آخرها اغتيال "أبو عاقلة".

وشيرين أبو عاقلة، من مواليد عام 1971 في القدس، حاصلة على بكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة اليرموك الأردنية، وبعد تخرجها عملت في وكالة "أونروا"، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح، وإذاعة مونت كارلو.

وفي عام 1997 انتقلت للعمل مع قناة الجزيرة الفضائية، حتى استشهادها، وتُعد "شيرين" من الرعيل الأول من المراسلين الميدانيين للقناة، إذ شاركت في تغطية حروب وهجمات واعتداءات الاحتلال على الشعب الفلسطيني بمختلف المدن الفلسطينية.