الاحتلال فشل في فرض شروطه..

بالصور في باب الخليل.. جنازة شيرين أبو عاقلة تُعيد السيادة لأهل البلاد

حجم الخط
تاتوب شيرين أبو عاقلة
بيان الجعبة - وكالة سند للأنباء

منذ يوم الجمعة الماضي الذي شهد جنازة مهيبة وغير مسبوقة شيّع فيها الفلسطينيون جثمان الصحفية شيرين أبو عاقلة في مدينة القدس، والمقدسيون يتحدثون عما أسموه تحرير "باب الخليل".

فبالرغم من مضايقات الاحتلال الإسرائيلي والقيود التي حاول فرضها على المناطق التي سيمر منها التشييع، والتشديد على عدم رفع علم فلسطين، إلا أن المشيعين رفعوا العلم حتى نهاية التشييع ومواراة الجثمان الثرى في مقبرة جبل صهيون.

وبحسب مؤرخين فلسطينيين، فإن رفع العلم الفلسطيني في "باب الخليل" والمشاركة الجماهيرية الكبيرة في الجنازة، سابقة تاريخية، لم تحدث منذ عام 1967.

ويقع "باب الخليل" في الجهة الغربية من سور مدينة القدس، وكان من الأبواب المركزية في أسوار المدينة، ويعتقد أنه سُمي "باب الخليل" نسبة إلى خليل الله سيدنا إبراهيم -عليه السلام- الذي دفن في مدينة الخليل.

وبمحاذاة أسوار المدينة، جنوب "باب الخليل" توجد قلعة القدس، ويتكون الباب من مدخل وعقد حجري كبير مدبب، وبينهما نقش كتابي حجري تذكاري يبين اسم السلطان، وألقابه وسنة البناء.

ويغطي فتحة المدخل مصراعان كبيران من الخشب المصفح بالنحاس، وينعطف المدخل إلى جهة اليمين ليؤدي إلى داخل مدينة القدس.

باب الخليل 3.jpg
 

من أعرق الأبواب..

مدير مركز دراسات القدس في جامعة القدس، المؤرخ يوسف النتشة، يصف الباب بأنه واحد من أعرق أبواب مدينة القدس فهو عبارة عن تحفة معمارية من حيث التصميم والزخرفة.

ويوضح "النتشة" لـ "وكالة سند للأنباء" أن أهمية الباب تنبع من كونه قريب من "قلعة القدس" التي لا تقل أهمية ومكانة عن الباب ذاته؛ إضافة إلى كونه المدخل الرئيس لزائري المدينة القادمين من الجهة الجنوبية.

ويؤكد أن "باب الخليل" ارتبط بأحداث كبيرة في مدينة القدس بعضها مأساوي وبعضها الآخر يعتبر علامة مشرقة في التاريخ الفلسطيني القديم والحديث على حدٍ سواء.

ولعل أبرز ما شهده هذا الباب هو دخول الإمبراطور الألماني ڤيلهلم الثاني وزوجته أوجستا فكتوريا خلال الفترة العثمانية؛ حيث تم فتح سور القدس وأحدث كسر فيه لاستقبال موكب الإمبراطور؛ ويعد هذا هو الكسر الوحيد في سور المدينة.

باب الخليل 5.jpg
 

ويذكر "النتشة" أن الجنرال البريطاني "إدموند اللنبي" دخل إلى مدينة القدس القديمة عام 1917، عبر "باب الخليل"، وكان دخوله يحمل رسالة استعمارية حين أعلن عن بدء الانتداب البريطاني على القدس حيث قال حينها، فور دخوله باب الخليل: "اليوم انتهت الحروب الصليبية".

وفي العام 1948 شهد باب الخليل اشتباكات وصدامات كونه يقع على ما يعرف بخط التماس أو خط وقف إطلاق النار.

ويقول "النتشة" إن باب الخليل ارتبط بأحداث كبيرة متعلقة بتاريخ النضال الفلسطيني خاصة في ميدان عمر بن الخطاب، وتوجت هذه الأحداث بجنازة الصحفية شيرين أبو عاقلة يوم الجمعة الماضي.

فيما لا يذكر المؤرخ "النتشة"، أن حدثاً مشابهاً لجنازة "أبو عاقلة" قد تكرر منذ عام ١٩٦٧ في هذه المنطقة، لكنه لم يجزم ذلك لكونه غير متخصص في تأريخ التاريخ الحديث.

ومن جهته يرى الباحث المقدسي خالد عودةالله، أن الصراع على أبواب مدينة القدس هو جزء من الصراع اليومي والمستمر مع الاحتلال الإسرائيلي على المدينة، ولعل أحداث منطقة باب العامود تؤكد ذلك.

وعن "باب الخليل" يتحدث "عودة الله" لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه المنطقة تحديداً يحيطها الاحتلال بمجموعة من الإجراءات القمعية والشرطية في سبيل تحويلها لمنطقة عبور آمنة للمستوطنين.

تاريخيًا يُعد الباب "المنطقة الرئيسية" لعبور الغزاة واختراق مدينة القدس _تبعًا لعودة الله_ وذلك عبر الفتحة التي أُنشأت خصيصا لدخول الإمبراطور الألماني للقدس عام ١٨٩٨، والتي تحولت لاحقاً إلى فتحة يعبر منها الغزاة الى القدس تحت غطاء الحجاج أو السياحة.

ويعتبر خروج جنازة "أبو عاقلة" من داخل أسوار القدس إلى خارجها عبر "باب الخليل"، بمثابة تمثيل لما يشبه العودة أو مشهد أقرب لتوحيد شطري مدينة القدس، مقابل "التوحيد اليهودي" الذي يتم عبر مسيرات الأعلام، ويصادف نهاية شهر مايو/ أيار الحالي.

باب الخليل.jpg
 

ويؤكد "ضيف سند" أن الأجواء التي عاشتها شوارع القدس، وباب الخليل تحديدًا في جنازة "أبو عاقلة"، وما رافقه من هتافات وطنية ورفع للأعلام الفلسطينية، هو تعريف حقيقي بأن مدينة القدس عاصمة فلسطين الأبدية.

ويلفت إلى أن هذه البرهة الزمنية ستبقى عالقة في الأذهان، وستشكل دفعة معنوية للفلسطينيين، كما ستبقى عالقة في أذهان الاحتلال الذي لم يتوقع هذا المشهد وهذه المشاركة الكبيرة.

ووفقًا لـ "عودة الله" فإن أهم ما أنجزته شيرين أبو عاقلة في جنازتها كان كسر سيادة الاحتلال المدعاة على مدينة القدس وإعادة فرض سيادة أهل البلاد عليها، حيث تحدى المشاركون إجراءات الاحتلال القمعية، وحولوا الجنازة إلى موكب يحمل أبعادًا سياسية وتاريخية متعددة.

وفي سؤالنا عن أسباب تجنب الاحتلال للمواجهة في باب الخليل خلال الجنازة، يُرد: "الواقع يقول أن الاحتلال انهزم وتراجع أمام الكم البشري الهائل الذي شارك في الجنازة، ولا يملك القدرة على قمعه".

ويصف ضيفنا الحدث بـ "معركة باب الخليل" والتي جاءت على هيئة كمًا جماهيريًا معززاً بالإصرار والتحدي الواضح، لإيصال رسالة للاحتلال مفادها بأن "الإرادة الشعبية ماضية في هدفها حتى لو اعتقد الأول أنه تمكن من السيطرة وحسم المعركة قبل بدءها، من خلال السطو على المركبة التي نقلت النعش من المستشفى الفرنساوي".

ويستطرد: "إلا أن الجماهير لاحقت النعش ومشت خلف الجنازة، وفشل الاحتلال في النهاية بفرض شروطه على الجنازة".

جنازة شيرين.png