بالفيديو والصور كرٌّ وفرٌّ بالشوارع.. صاحب الأرض يفرض سيادته في "معركة الأعلام"

حجم الخط
علم فلسطين
رام الله - وكالة سند للأنباء

بات رفع العلم الفلسطيني في الضفة الغربية ومدينة القدس سببًا كافيًا لاقتحام قوة عسكرية إسرائيلية مدججة بالسلاح، لإنزاله من وسط أحد الشوارع الرئيسية، فمعركة العلم كما يسميها الكثيرون، أصبحت فصولها شبه يومية ما بين كر وفر بين الشبان الفلسطينيين، والمستوطنين الذين يحتمون بجيش الاحتلال.

وانتشر مقطع مصوّر لمستوطن يوقف مركبته وسط شارع حوارة جنوب نابلس، ويتسلق عامودًا لإنزال العلم الفلسطيني من فوقه وأخذه معه بنشوة المنتصر، ما دفع الشبان الفلسطينيين لإعادة رفع العلم من جديد على عدة أعمدة في الشارع، ليعود المستوطنين المسلحين برفقة قوة عسكرية من جيش الاحتلال ويزيلون الأعلام مرة أخرى.

عقب ذلك انطلقت حملة لرفع العلم الفلسطيني، خاصة في حوارة، على أسطح المنازل وأمام المحلات التجارية وفي الشوارع.

ويعد شارع حوارة من المناطق المصنفة (ج) التابعة لسيطرة أمنية إسرائيلية، ويسلكه المستوطنون باستمرار، ويشهد احتكاكات شبه يومية مع المستوطنين وجنود الاحتلال الذين يتعمدون استفزاز الفلسطينيين والتضييق عليهم.

فصول الكر والفر تلك، دفعت رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو، لمساءلة رئيس الحكومة الحالية نفتالي بينت بتهكم: "أين العلم الإسرائيلي، عندما زاحمه العلم الفلسطيني بكثرة في مظاهرة بيوم النكبة، في قلب جامعة تل أبيب".

وعلى الرغم من إمكانية تعرضهم للاعتقال والاعتداء من قبل المستوطنين أو جنود الاحتلال، يحرص الفلسطينيون على رفع الأعلام الفلسطينية في الطرق الخارجية لمدن الضفة والتي يسلكها المستوطنون والاحتلال عادة.

وحول ما جرى في بلدة حوارة، يقول علي الحواري الذي كان متواجدًا بالمكان: "جاءت ثلاث مركبات للمستوطنين ومثلها دوريات للجيش، وفجأة أوقفوا مركباتهم وخرجوا منها مسرعين ومشرعين أسلحتهم وكأننا في حرب، ومن ثم أزال أحد المستوطنين علم فلسطين الذي كان معلقا على أحد الأعمدة".

ويضيف "الحواري" لـ"وكالة سند للأنباء": "عندما تقتحم قوة بهذا الشكل المكان لإنزال العلم، فهذا يعني أنهم خائفون، ويحاولون تحدينا في معركة الوعي والانتماء للوطن".

عقب ذلك أزال شبان فلسطينيون أعلام الاحتلال من على أعمدة الكهرباء على شارع حوارة حتى المفرق الموصل لمستوطنة "يتسهار"، ورفعوا علم فلسطين، ورسموه بعد أيام على مكعبات إسمنتية تابعة لأحد حواجز الجيش.

371F4D6C-5C17-463C-857F-88F963550D52.jpeg

7AD8DAC1-655E-4D38-A057-CFB2D68C2195.jpeg
 

ويسهب "حواري": "كلما أزال الاحتلال علم فلسطين، يسارع الشبان لرفعه، ومع الأيام أصبح هذا السلوك عملًا مقاومًا، فالعلم الفلسطيني يُشعِر ويؤكد للمستوطنين أنهم غرباء والأرض ليست لهم، ولذلك يستفزهم ويزيلوه".

عن رمزية العلم..

إلى ذلك يقول الحكواتي الفلسطيني حمزة العقرباوي إن "العلم جسّد هوية النضال والكفاح الفلسطيني بدءاً من ثورة البراق 1929، إذ كانت حينها المرّة الأولى التي يُرفَعُ فيها هذا العلم للتعبير عن الهوية الفلسطينية بحدودها السياسية المعروفة: من البحر إلى النهر؛ ومن رفح حتى رأس الناقورة".

ويستدرك مقالٍ نشره "العقرباوي": "لكن العلم الفلسطيني برمزيته النضالية، تجسد على الأرض بصورة بارزة  بعد عام 1967، إثر قيام الاحتلال بمنع رفعه وحظره في الفعاليات والأنشطة الثقافية والسياسية".

ومن ذلك الحين حرص الفلسطينيون على "إحضار العلم في كل معركة، ومع الوقت أصبح أحد الأدوات النضالية التي يُمارسها الفلسطينيون بشكل يومي في الأرض المُحتلة"، وفق "العقرباوي".

ويؤكد في مقاله أن للعلم وبقائه عاليًا في سماء البلاد ثمن باهظ دفعه الفلسطينيون "فقدموا الشهداء والأسرى، ومنهم الشهيد إياد ابو سعدي من بيت ساحور، الذي ارتقى أثناء رفعه للعلم الفلسطيني عام 1988".

ويورد أنه خلال "الانتفاضة الأولى انتقل العلم ليُصبح من أقوى أدوات  إزعاج الاحتلال ومقاومته، بل عنواناً للتمرد والعصيان المدني".

ويستحضر الحكواتي مشهدًا لا يُنسى من ذاكرة الفلسطينيين قائلًا: "في فعاليات يوم العلم الفلسطيني بتاريخ 6 آذار/مارس 1988، رُفعت الأعلام فوق الأعمدة والبيوت في كل فلسطين، واضطر الصحافيون والأجانب لرفع الأعلام على سياراتهم كتصريح مرور في المناطق الفلسطينية، وهُنا جُن جنون جيش الاحتلال".

ويلفت إلى "الاحتلال شُغل خلال الانتفاضة الأولى بإجبار الناس على إنزال العلم الفلسطيني من على المآذن وقمم الأشجار والبنايات العالية، حتى صار هذا المشهد شبه يومي في كل القرى والمدن والمخيمات".

علم فلسطين 6.jpg
 

فقدان السيادة

في القدس، يتجهز المستوطنون لـ"مسيرة الأعلام" التي ينوون تنفيذها في محيط البلدة القديمة بالقدس يوم الأحد القادم، والتي كانت العام الماضي سببا كافيا لاندلاع مواجهة عسكرية مع فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بمايو/ أيار 2021.

وعن ذلك يقول الكاتب الصحفي عصام أبو شاور: "مشهد إنزال العلم الفلسطيني من قبل مستوطن، يأتي في سياق معركة الأعلام التي تعيشها فلسطين، وقد سبق أن شاهدنا كيف قامت شرطة الاحتلال بانتزاع الأعلام الإسرائيلية من أيدي المستوطنين في القدس مع شعورهم بالإهانة الشديدة وفقدان السيادة على المدينة مما ضاعف حقدهم ضد الفلسطينيين".

ويستحضر "أبو شاور" مشهدًا من القدس في السياق ذاته، لا يقل ضررا على نفسية المحتلين وهو مشاهدة فتيات إسرائيليات في أحد شوارع القدس يقمن بمحض إرادتهن بنزع أعلام إسرائيلية كانت مرفوعة على مركبتهن، بعد أن شاهدن مظاهرة قريبة للفلسطينيين، فخشين من التعرض للأذى، ولم يصدق الإسرائيليون أن هذا يحدث في القدس، التي يعتبرونها خالصة لهم دون الفلسطينيين".

ويرى الكاتب في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أن معركة الأعلام ليست وليدة اللحظة، فذاكرة الفلسطينيين زاخرة بقصص كثيرة حول دور العلم ومكانته في الصراع مع الاحتلال، لاسيما في الانتفاضة الأولى.

حالة ثورية

من ناحيتها، تعقّب الناشطة الفلسطينية سمر حمد من رام الله، على حادثة إنزال العلم في حوارة، بالقول: "أيظن ذلك المستوطن أنه بإنزاله العلم قد انتصر؟ جيشه من قبله فشل في إنزال مئات الأعلام في القدس ويافا والناصرة وأم الفحم وغيرها من مدننا وقرانا".

وتردف: "الفلسطينيون اليوم في حالة ثورية مباركة يخوضون الصعاب ويبذلون الدماء في سبيل حريته وكرامته، ولذلك سارع الشباب بإعادة علمنا ليرفرف عاليا متحدين بلطجة الإسرائليين وعربدتهم".

أما المحلل السياسي ياسين عز الدين فتحدث عن قضية العلم: "في جنازة الصحفية شيرين أبو عاقلة قرب باب الخليل بالقدس، شوهدت أعلام فلسطين ترتفع وأعلام إسرائيل تسقط، وهذه المنطقة لها أهمية خاصة، فهي تقع على الحد الغربي للبلدة القديمة، وبعد النكبة كانت خط التماس بيننا وبين الصهاينة، وبعد النكسة تعرضت لعملية تهويد جارفة".

جنازة أبو عاقلة.jpg
 

ويكمل "عز الدين" في منشور على صفحته على فيسبوك: "ما أنفقه الاحتلال من جهد ومال وتعب لتهويد القدس وبالأخص هذه المنطقة، ذهب هباءً منثورًا في لحظةٍ واحدة.. فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون".