بالصور "عرين الأسود".. حالة ثورية تُحيي روح المقاومة في نابلس

حجم الخط
عرين الأسود
لبابة ذوقان- وكالة سند للأنباء

بينما يمضي غالبية أقرانهم الليالي بالسَّهر والسَّمر، اختار ثلة من شبان البلدة القديمة بنابلس لأنفسهم طريقًا مغايرًا تمامًا، امتشقوا فيه السلاح، وشقّوا طريقا يهابه كثيرون، فحدود المقاومين بالضفة الغربية معروفة، شهادة أو اعتقال، وفي كلاهما نصر!

فرغم صغر سنّهم، وقلة خبرتهم في العمل العسكري والتنظيمي المحكم، إلى جانب معضلات الواقع المحاصر بين "كمّاشة" الاحتلال، أصرّ شباب نابلس على مواصلة الدرب، وتعاهدوا على تصويب أسلحتهم ضد الاحتلال فقط، لتنصهر بينهم انقسامات الواقع السياسي، وتتلاشى في عرينهم ألوان الأحزاب، مشكلين حالة ثورية قلّ مثيلها في الواقع الفلسطيني.

وأطلقت مجموعة من المقاومين في البلدة القديمة بنابلس على نفسها اسم "عرين الأسود"، قبل أن يقدّم غالبية أسودها أرواحهم مقبلين غير مدبرين، وفي عمليات اغتيال هزّت الشارع النابلسي والفلسطيني بشكل عام، في حين لا تزال قوات الاحتلال "تُطارد" عددا آخر منهم في محاولة لاعتقالهم أو اغتيالهم.

298916177_599845635050706_8232778271170911329_n.jpg
 

ففي الثامن من شباط/ فبراير نفذت قوة خاصة إسرائيلية عملية اغتيال للمقاومين: الشهيد أدهم مبروك (الشيشاني)، والشهيد محمد الدخيل، والشهيد أشرف المبسلط، تلاها عدة محاولات اقتحام واغتيال لرفقائهم، وعلى رأسهم الشهيدين إبراهيم النابلسي ومحمد العزيزي.

واستشهد محمد العزيزي ورفيق سلاحه عبد الرحمن صبح خلال عملية واسعة استهدفت "العرين" في 24 تموز/ يوليو الماضي، فيما تمكن خمسة مقاومين آخرين من الانسحاب بسلام.

وفي 9 آب/أغسطس اغتال الجيش الإسرائيلي المطارد والمطلوب الأول له في نابلس إبراهيم النابلسي (19 عامًا)، بعملية واسعة وبعد اشتباك عنيف، ليرتقي مع رفيقه إسلام صبوح

وبدا جليّا، في جنازات الشهداء الالتفاف الشعبي الواسع، خاصة من جيل الشباب وتعلقهم بحكاياهم وبطولاتهم.

جنازة إبراهيم النابلسي3.jpg

شهداء نابلس 3.jpg
 

حكاية "العرين"

حجارة البلدة القديمة احتضنت "الأسود" أو كما يسميهم البعض "شباب البلد"، في غرفة كانت الحضن الدافئ والآمن لهم، احتضنت ضحكاتهم، ودمعاتهم على فراق أحدهم، وشهدت أرضها على سجداتهم في جوف الليل، وتعاهدهم على مواصلة الطريق.

"س .ع" صديق مقرّب من "عرين الأسود"، يتحدّث لـ "وكالة سند للأنباء" عن بعض تفاصيل العرين وشهدائه، قائلًا: "جاء اسم العرين بـ"مزحة" من الشهيد محمد العزيزي الملقب بـ"أبو صالح"، وأصبحت بعدها أمرًا جديًا".

الشهيد محمد العزيزي.jpg
 

ويضيف: "تعاهد المقاومون في العرين على أن تصوّب أسلحتهم فقط ضد الاحتلال، وألا يطلقوا النار بالهواء في مواكب استقبال الأسرى والمناسبات المختلفة، وكان أول خروج لهم في موكب استقبال أسير محرر، وهم يحملون أسلحتهم ويربطون فوهتها بقطعة قماش حمراء، دليل على عدم إطلاق النار بالهواء، فرصاصهم أصبح معروف لأين يتجه".

ويضم "العرين" ابن القسام، وابن شهداء الأقصى، وابن سرايا القدس، والعصبة التي يرتدونها باللون أبيض ومكتوب عليها بالخط الأسود فقط، دون ألوان حزبية، يقول "س.ع".

وعن سر العلاقة القوية التي تربط أسود العرين، يحكي لنا: "سر هذه العلاقة هو الشهيد أبو صالح، الذي نعجز عن وصفه، جينرالًا أم قائدًا! كانت لديه عقلية رهيبة جدا رغم صغر سنّه"، مستطردًا: "كان بارعًا في تصليح السلاح، عندما يتعطل سلاح أي مقاوم من القسام أو السرايا أو الأقصى كان يعرف وجعها ويصلحها".

ويسهب: "جمعهم حب المكان والحوش الذي احتضن غرفتهم، ينادون بعضهم "هينا بالغرفة يلا تعالوا"، فمع حلول الليل يجتمعون، يصلون العشاء في جماعة، ويوقظون بعضهم لقيام الليل".

أحد المواقف التي يتذكرها ضيفنا للشهيد "العزيزي" يقول: "ردد على مسامعي "اللهم ارزقني الشهادة" ثلاث مرات متتالية، دائما كان يرددها وخاصة قبل استشهاده بأيام قليلة".

وكان ضباط الاحتلال يوجهون رسائل تهديد للمقاومين في البلدة القديمة، أحدها أرسلت مع أسير محرر عن الباب المحصّن للحوش الخاص بـ "العرين"، جاء فيها "أغلقوا الباب وزيدوا قوته كما تشاؤون سنفجره بالنهاية".

وفي تهديد آخر وصل المجموعة من أحد ضباط الاحتلال بعد عملية إطلاق النار في محيط قبر يوسف، والتي أصيب خلالها قائد لواء نابلس في جيش الاحتلال، قال لهم فيها: "عالقبر وللقبر"، يقصد فيها أن أطلقتم النار علينا في قبر يوسف وسوف توضعون بالقبر، وفق "س.ع".

جنازة الشهيد النابلسي.jpg
 

وعن علاقة المقاومين بأهالي البلدة القديمة يقول "ضيف سند": "الكل يحترمهم ويحبهم، مضافتهم لم تكن تخلو من الشاي، إبريق الشاي دائما جاهز، وهناك من كان يأتيهم بحلوان قدوم مولود أو مناسبة اجتماعية؛ ليقدم الحلوى لهم، وكانت والدة أحد الشهداء هي من تتكفل بهم وتطهو لهم طعامهم كل يوم".

"نصرت بالشباب"

وفي محاولة لقراءة الواقع الذي دفع بشبان بمقتبل العمر بتنظيم أنفسهم ويتوحدون في طريق معروف النهاية، يشير رئيس قسم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية أسعد تفّال، لتنامي الجانب الوطني بين الشباب الفلسطيني، ما جعلهم يلتفون حول قدوة ورمز وطني؛ لانعدام أي أفق سياسي، وغياب الرموز الحقيقية".

ويتابع "تفّال" لـ"وكالة سند للأنباء: "ما يعيشه الشباب الفلسطيني جعلهم يتجهون للبحث عن قيادات شابة ميدانية قادرة على التغيير، أكثر من التوجه لأمور أخرى كمتابعة نجوم الرياضة أو الفن".  

ويكمل: "أن ما حصل مؤخرًا في نابلس يؤكد على أن الشباب الفلسطيني واعد وجبّار وعلى قدر المسؤولية، وأنهم رجال نرفع رأسنا بهم عاليًا، وهذا يذكرنا بقول رسولنا الكريم "نصرت بالشباب".

ظاهرة متدحرجة

من ناحيته، يذكر مدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية برام الله سليمان بشارات، أن ظاهرة العمل الفردي أو شبه المنظم في مجموعات، بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة ضمن مجموعات شبابية ميدانية.

ويعزو "بشارات" تلك الظاهرة لأمرين، أولهما الغياب شبه التام للوجود التنظيمي، وبروز العديد من النماذج الملهمة أو الرمزية في مثل هذا العمل مثل أحمد جرار في جنين، ثم رعد حازم، وعاصم البرغوثي في رام الله، وصولا إلى "النابلسي"، و"الدخيل"، و"الشيشاني"، وغيرهم في نابلس.

ويُردف لـ "وكالة سند للأنباء": "هذه الحالة تشكّل أرضية أو نواة لإمكانية تعزيز هذا النموذج على قاعدة العمل الوطني دون تأطير حزبي واضح، وكذلك تفريغ لطاقة الشباب الرافض للواقع تحت الاحتلال، والأهم من ذلك أنهم يعبرون عن شريحة واسعة من الشعب وهم الجيل الشاب، الذي بات ينظر لحالة الانغلاق في الأفق والمستقبل السياسي".

ويرى "بشارات" أن هذه الظاهرة لن تكون مؤقتة كما يرى البعض، مضيفًا: "تتبع مسار هذا النوع من العمل يُظهر أنه يتدحرج بعد أن كان مقتصرًا على بقعة جغرافية محددة، وبات يمتد لعدة محافظات".

ويسترسل: "أن بعد أن كان العدد عبارة عن شخص، أصبح على شكل مجموعات، وبتنا نلمس تفاخر الفصائل الفلسطينية بتقديم الدعم لهم، والتغني بأفعالهم".

خصوصية البلدة القديمة

وعما تمتاز به نابلس في ظل حالتها النضالية، يقول بشارات:"التجربة في نابلس لها طابع خاص، فالبلدة القديمة فيها تتسم بمجموعة من الخصائص في البناء المعماري، والتركيبة السكانية داخلها، إضافة لرمزيتها في الانتفاضة الأولى والثانية وخلال الاجتياح الإسرائيلي عام 2002".

 هذا كله أيضا، جعل من أهالي البلدة أنفسهم مهيئين أكثر لاحتضان هذه التجربة وربما انخراط مزيد من شبابها ضمن هذه المجموعات، تِبعًا لـ "بشارات".

ويُرجع الباحث انخراط العديد من الفصائل في "عرين الأسود" بنابلس لعدة عوامل، أولًا ما تركه الانقسام السياسي على مدار سنوات، موضحًا: "الشباب أكثر من اكتوى بنار الانقسام وتبعاته، بالتالي فهم على يقين أن ارتهان أي عمل مقاوم ضمن الفصائل فقط مصيره الفشل، بالتالي باتوا ينخرطون في العمل المقاوم لا العمل الحزبي المقاوم، وهذا بحد ذاته تغيير في البعد النفسي للشبان".

الأمر الثاني، وفق "بشارات" هو أن المنخرطين بهذا العمل يريدون حاضنة مجتمعية لا حزبية في ظل حالة التفكك الحزبي، وكأنهم يريدون إرسال رسالة أن هدفهم بمقاومة الاحتلال هو أسمى من المسميات التنظيمية.

ويختم بالقول: "كل هذا قد يؤسس لمرحلة مقبلة من شأنها أن تعزز حضور ظاهرة العمل المقاوم الفردي أو شبه المجموعات التي ستبقى تحافظ على حضورها في الضفة الغربية".