حراكٌ رافض ووعي بالمخاطر..

بالفيديو القدس.. المنهاج الفلسطيني في مواجهة محاولات "شطب الهوية"

حجم الخط
التعليم بالقدس
فرح البرغوثي - وكالة سند للأنباء

تتمادى سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تحريفها واستهدافها للمنظومة التعليمية والمناهج الوطنية الفلسطينية المعتمدة بمدينة القدس وصولًا لـ "أسرلة التعليم"، وذلك عبر الشروط التي تفرضها على إدارات المدارس، مهددةً إياها بالإغلاق أو سحب الترخيص.

ويوجد بالقدس 4 أنواع من المدارس، ثلاث منها تُدرّس المنهاج الفلسطيني غير المحرّف، وهي: الخاصة، والتابعة لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية، والتابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ويبلغ عددها 135.

أما النوع الرابع فهو يتبع لبلدية الاحتلال في القدس، وعددها 85 مدرسة، بعضها استولى عليها الاحتلال منذ عام 1967، وأخرى قام ببنائها.

ووفقا للقانون الإسرائيلي، لا يمكن تفعيل أي مدرسة في شرق القدس دون ترخيص صادر عن وزارة التعليم الإسرائيلية، وبالتالي فإن كل المدارس الأهلية والبلدية تحصل على ترخيص منها.

لكن تلتزم المدارس الفلسطينية بالقدس عادةً بالمنهاج الفلسطيني الذي تخرج طلابها بشهادة الثانوية العامة "التوجيهي"، غير أن بلدية الاحتلال ووزارة ما تُسمى بـ "المعارف" الإسرائيلية بدأتا خطة لإعادة طباعة المنهج الفلسطيني وتوزيعه على الطلبة.

وتضمن الخطّة إفراغ المنهاج من مضامينه الوطنية، وشطب كل ما له علاقة بالهوية الفلسطينية، واعتداءات الاحتلال وسرقة الأرض، ونكبة الفلسطينيين.

وآخر قرارات الاحتلال بحق هذه المدارس، هو إلغاء رخص التّشغيل الدائمة لـ 6 مدراس فلسطينية شرق القدس (مدارس الإيمان الخمس، والكلية الإبراهيمية)، بزعم احتواء مناهجها على "تحريض خطير"، على أن يتم منحهم ترخيصًا مؤقتًا لعام، باعتباره مهلة لسحب "كتب التحريض"، يتخللها توزيع مناهج تطبعها وزارة التعليم الإسرائيلية على الطلبة.

ورغم محاولات إسرئيل المكثفة والتي لم تتوقف منذ 1967، إلا أنها فشلت في تحقيق ما تصبو إليه، فهناك رفض فلسطيني شامل لهذا المنهاج، واحتجاجات وفعاليات متواصلة من أولياء الأمور في المدارس الفلسطينية بالقدس.

 

كما أعلنت القوى الوطنية والإسلامية في القدس، عن إضراب شامل في كافة مدارس القدس، يوم غدٍ الاثنين، مؤكّدةً رفضها التام والمطلق لفرض المنهاج "المحرّف"، ورفضها يلمحاولات فرض منهاج "مزيف" أو مستحدث على الطلبة المقدسيين في جميع المدارس على اختلاف مرجعياتها الأكاديمية.

التحديات..

ويرى رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر هدمي، أن "أكبر مشكلة تواجه المدارس المقدسية، هي غياب مرجعية واحدة، تُجمع كلمتها، وتتبنى برنامج اعتراض على ممارسات الاحتلال بحقها، إضافةً لحالة عدم الثقة القائمة بين المدارس؛ فكل واحدة تبحث عن مصلحتها الخاصة فقط".

كما تعمل سلطات الاحتلال على ابتزاز المدارس المقدسية بالأسلوب المالي، وحرمانها من مخصصات الدعم؛ مما يؤدي إلى صعوبة في تسيير أمورها، وفقاً لـ "الهدمي".

ويُشير إلى أن موضوع الترخيص أصبح أمرًا مهمًا بالنسبة للمدارس، فمسبقًا كانت المدارس المقدسية تحصل على ترخيصها من السلطة الفلسطينية أو الحكومة الأردنية، أما في الوقت الحالي، تتصرف حكومة الاحتلال على أن القدس "عاصمة" لها، وأن المدارس لا يُمكنها الاستمرار في عملها قبل الحصول على الترخيص.

2.jpg
 

ويؤكد "الهدمي" لـ "وكالة سند للأنباء" أن "حدّة مشكلة الترخيص والحالة الصعبة للمدارس المقدسية، ازدادت بعد الاعتراف الأمريكي بمدينة القدس "عاصمة" للاحتلال تُنفّذ قوانينها فيها، وأنها ليست مدينة مُحتلة".

ويُشدد على أن تهديد الاحتلال أصبح اليوم أقسى من السابق، إذ وصل إلى إغلاق المدرسة بشكلٍ كامل في حال ضُبط لديها كُتب من المنهاج الفلسطيني، أو بلغت أنباء تتحدث عن عدم تدريس هذه المدرسة، المنهاج "الإسرائيلي" المُحرّف لطلابها.

مطالبة بتوفير بدائل..

وفي بيان إعلان الإضراب أكدت "القوى الوطنية والإسلامية" رفضها كافة أشكال الابتزاز المالي، الذي تمارسه "وزارة المعارف" وبلدية الاحتلال على إدارات المدارس، بما يشمل سياسة التهديد العلني والمُبطن.

وجاء في البيان الذي وصل "وكالة سند للأنباء": "نؤكد على حق المقدسيين الثابت كشعب تحت الاحتلال باختيار المنهاج الذي يتم تدريسه لأبنائهم"، مطالبةً الحكومة الفلسطينية، بتوفير البدائل الحقيقية وتأمين الاحتياجات الفعلية والموارد اللازمة لحماية المؤسسات التعليمية والمنهاج الفلسطيني بعيداً عن الشعارات والعبارات الفضفاضة.

أسرلة التعليم.jpg
 

"مناهجٌ مُحرّفة وحراكٌ رافض"..

ورفضاً لما تتعرّض له من تضييقات، ينظم لجان أولياء أمور الطلبة المقدسيين منذ أيام حراكاً واسعاً، مؤكّدين على موقفهم الثابت بأنه "لا تراجع عن تمسكهم باستمرار تدريس المنهاج الفلسطيني، وأن التعايش مع المنهاج المُحرّف والقبول كواقع، أمرٌ مرفوض".

المقدسي طارق عكش، عضو لجنة أولياء الأمور بإحدى المدارس المقدسية يقول لـ "وكالة سند للأنباء" إن الطلبة بالقدس جزءٌ من معركة الحفاظ على هوية المدينة العربية والإسلامية، ورفض محاولات التهويد و"أسرلة" التعليم.

ويتابع: "يحاول الاحتلال تهويد الأحياء السكنية بطرد السكان الفلسطينيين منها وإحلال المستوطنين مكانهم، كما يحاول التسلل إلى عقول أبنائنا من خلال المناهج المُحرّفة، وتغييرهم، وبدلاً من أن يُعرّف نفسه كعربي فلسطيني، ومُرابط يحافظ على أرضه ومقدساته، يُعرّف نفسه على أنه إسرائيلي، وهذا أمرٌ مرفوض".

وقفة لاهالي الطلبة بالقدس.png
 

ويؤكد رفضهم  للمناهج المزوّرة، التي "تشوّه الذاكرة والهوية الفلسطينية الإسلامية" موجهًا رسالة للاحتلال: "لن نسمح لكم بالتدخل بماذا يدرس أبنائنا، ومن حقنا أن يكون لدينا حق وحريّة في الاختيار".

أما على مستوى المدارس المقدسية وهيئاتها الإدارية، يتحدث "عكش" عن أنها تتحرك في إطارٍ قانوني عبر رفع الدعاوى في المحاكم، والمتابعة مع المحامين وأصحاب الاختصاص.

ويلفت إلى أن "المدارس ترفض ما يحصل، وتريد أن تُخاطب الاحتلال بلغة القانون، وبضرورة السماح للمقدسيين بحرية اختيار ماذا سيدرس أبنائهم، مثلما يسمح لمدارس المتدينين اليهود بتدريس مناهج مختلفة عن تلك التي يدرسها العلمانيين".

وعند سؤاله حول الخطوات المتوقعة في الأيام المقبلة، يُجيب: "لا نعلم إلى أين يمكن أن تصل الأمور، لكن ردة الفعل اتجاه الحِراك إيجابية جدًا من قِبل الأهالي والمدارس والإعلام، ونتمنى أن يكون هناك نتيجةً ويفهم الاحتلال أنه ممنوعٌ من التدخل في المنظومة التعليمية".

"الرضوخ مرفوض"..

كذلك إسلام أبو عفيفة، من بين أولياء الأمور الذين وقفوا ثابتين في وجه المنهاج المُحرّف، حيث تدرس طفلتها في مدرسة الإيمان، واحدة من المدارس المهددة بسحب الترخيص، ومنذُ بداية العام الدراسي لم يتم توزيع أيّ نوعٍ من الكتب على الطلبة، سواءً الفلسطينية أو "الإسرائيلية" المُحرّفة، ويتم تعليمهم عبر شاشة العرض.

تقول "أبو عفيفة" لـ "وكالة سند للأنباء" إنها أخبرت طفلتها في الصف الأول الابتدائي، أنه في حال تم توزيع كُتب تدريسية لا تحمل المنهاج الفلسطيني، أن ترفض استلامها، وتتركها في المدرسة.

وتردف: "شعرنا أنه يجب أن يكون لدينا موقفاً واضحاً مع المدرسة، وأن نُظهر لوزارة المعارف رفضنا استلام أبنائنا للمنهاج الفلسطيني المُحرّف الذي يحتوي على مصطلحات ضد هويتنا وثقافتنا".

وجاء في حديثها: "من حقنا اختيار المناهج المناسبة لأبنائنا، ولا يحق للاحتلال نهائياً أن يفرض علينا ما يشاء (..) الرضوخ والتنازل لأول مرة من الممكن أن يتطور من منهاج مُحرّف إلى نظام البجروت".

ودعت ضيفتنا أولياء الأمور المقدسيين للتمسك بالمناهج الفلسطينية، ونشر الوعي لأبنائهم، مؤكّدةً أن "دور الأهل أساسي، لذا عليهم التحرك ورفض المناهج المُحرّفة، والاستمرار بتنظيم الوقفات الاحتجاجية، وإذا استلزم الأمر يُعلنوا تعليق الدوام والإضراب".

وتزيد: "القضية مبدأ وموقف يتعلق بالمدينة المُقدّسة وتاريخها وهويتها، ولا يتعلق فقط بصورةٍ أو كلمة (..) نحنُ أمام غياب هوية وطنية وإسلامية، وهذا أمرٌ خطير ومخيف، نتحدث عمّا يمكن أن يحدث بعد عشر سنوات وليس فقط اليوم، فالتعليم بنية المجتمع، وإذا أراد أحد التغيير يبدأ بقطاع التعليم".