"الأول من نوعه"..

بالصور بدليل مصوّر.. الباحث "أبو ركبة" يوثق 39 معلمًا أثريًا قائمًا في غزة

حجم الخط
حمام السمرة
فاتن عياد الحميدي- وكالة سند للأنباء

عصور وحقب زمنية زخرت بها أرض فلسطين، تركت كل منها معالم لا تزال شاهدة على عراقة وأصالة البلاد وأصحابها، فهنا عاش الكنعانيون، ومن هنا مرّ البيزنطة والرومان والفراعنة، وفي أرضها تأصلت الحضارة الإسلامية، وشيّدت صروحًا في مختلف المناطق، ليفخر الفلسطينيون بالقول: "من لا ماضيَ له، لا حاضر له أو مستقبل".

في قطاع غزة، احتضنت مدنه وأحياءه 48 موقعًا أثريًا، كان لمدينة غزة النصيب الأكبر منها، حيث تضم 39 معلمًا، جمعها الباحث الفلسطيني محمد أبو ركبة بدليل سياحي هو الأول من نوعه، حسب قوله.

وأصدر "أبو ركبة"، دليله لمعالم مدينة غزة في السادس من سبتمبر/ أيلول الجاري، والذي يعتبر دليلًا أثريًا سياحيًا إرشاديًا للسياحة الداخلية أو الخارجية، يضم بين ورقاته 39 معلماً أثريًا في مدينة غزة، من بين 48 موقعاً موجودًا في مختلف محافظات القطاع.

ويشمل الدليل جميع المواقع الأثرية المتبقية والموجودة في المدينة، وبعض المناطق المحيطة بغزة.

وصنّف الباحث تلك الموقع للأديرة، الأسبلة، الأسواق، البيوت، التلال، الجوامع، الحمامات، الزوايا، القصور، المقابر، وهي آثار موجودة وما زالت قائمة على أرض غزة، وتحظى باهتمام وزارة السياحة والآثار وبعض المؤسسات المعنية.

واستغرق العمل لإتمام الدليل شهرين كاملين وعلى مدار الساعة، وفق "أبو ركبة"، مضيفًا في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء: "تم العمل بعد جولات على المواقع الأثرية وتصويرها بصور خاصة، والتأكد من المعلومات التي تم تجميعها من المراجع بمعاينتها ومشاهدتها على أرض الواقع، ثم انتقل الدليل لمرحلة التصميم والتنقيح والتعديل والطباعة".

308072166_613189513691289_8359988540915390039_n.png
 

امتداد لجمال الماضي

وعن جمال الماضي الذي لا يزال ممتدًا حتى اللحظة، يحدثنا ضيفنا عن أبرز المعالم الموجودة في مدينة غزة، والتي سطرها في دليله السياحي بمعلومات وصور توضح تاريخها ومعالمها، لافتًا إلى أنها تحظى باهتمام عام كالمسجد العمري "الجامع الكبير"، الذي يقع في البلدة القديمة بالمدينة.

وإذا ما رغبت بالعودة لما قبل الميلاد! فلا بد من زيارة "سوق القيسارية" الذي يقع وسط مدينة غزة، ليعود بك الزمن عند زيارته لـ500 عام قبل الميلاد إبان العهد المملوكي، وقد بني هذا السوق ليكون ملاصقاً للمسجد العمري.

وللاستجمام والراحة، تسير قدماك إلى "حمام السمرة"، الذي يعد من المعالم الجمالية العثمانية الموجودة في غزة، في حين لا تزال "مقبرة الإنجليز" الواقعة شرق مدينة غزة شاهدةً على الانتداب البريطاني لفلسطين، ومقبرة أخرى في مدينة الزوايدة وسط القطاع، وهما من بين 4 مقابر للإنجليز في فلسطين.

حمام السمرة.jpeg
 

مقبرة الإنجليز.jpg
 

كذلك "قصر الباشا" المتحف الأثري العريق الذي يعود تاريخه إلى العصر المملوكي في زمن الظاهر بيبرس، و"كنيسة دير قديس" في منطقة الزوايدة، و"الكنيسة البيزنطية"، في مدينة جباليا "شارع صلاح الدين"، جميع ذلك والعديد من المعالم، تثبت عربية وكنعانية أرض فلسطين، رغم المزاعم الإسرائيلية في هذه البلاد، تبعًا لما يورده الباحث. 

قصر الباشا.jpg
   

ومن النجاحات النادرة في الحفاظ على الأماكن التاريخية، يشير ضيفنا للحفاظ على دير القديس هيلاريون البيزنطي، وهو الأكبر في الشرق الأدنى، ويمتد على مساحة هكتارين في تل أم عامر جنوب غزة.

ويضم الدليل صورة لكل موقع، وبعض المعلومات العامة، كتاريخ الإنشاء، وأهم المعالم الأثرية على الموقع من عامود ونقش وتأسيس، لتبسيط المعلومات للقارئ والاعتماد عليها في معرفته لأي موقع أثري.

ومن حسن حظ الباحث، لم يواجه "أبو ركبة" صعوبة كبيرة خلال عمله في إعداد الدليل، موضحًا أن وزارة السياحة والآثار مهدت الطريق لعمل الجولات والتصوير لهذه المواقع، والتي تواجد فيها أشخاص ذوو علم بالموقع يشرحون تفاصيله للزائرين.

ويستطرد "ضيف سند": "العائق الذي واجهته تمثّل بالجانب المادي، فلم يكفِ التمويل ليطال جميع مناطق القطاع، ما دفعني لأن أقتصر إصدار الدليل على مدينة غزة فقط، على أمل أن يتم تطويره ليشمل جميع مناطق القطاع لاحقاً".

وخلال عمله في إعداد الدليل، علقت بعض المشاهد في ذاكرته، كمجموعة الشبان تلك التي اعتنت بـ "بيت السقا" القديم في سوق الشجاعية، فقاموا بترميمه وتجهيز مكان فيه للكتاب والأدباء، حيث أعطت عائلة "السقا" البيت المساحة الكاملة للاهتمام به.

1.jpeg
 

غزة.. متحف مكشوف

وفي اتصال ماتع، يحدّثنا المؤرخ سليم المبيض عن أهمية الحفاظ على الإرث الثقافي والحضاري في غزة وفلسطين بشكل عام، مؤكدًا أن مثل هذا التوثيق بإمكانه أن يكون ركيزة مرجعية في حين تعرضت بعض هذه الآثار للهدم أو التجريف أو إعادة الترميم.

ويوضح المؤرخ في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "أن معرفة التفاصيل تقي ما سيأتي، والدليل السياحي والكتب ذات العلاقة تعد مرجعًا علميًا تُبنى عليه أساسيات لأجيال قادمة".

يضيف: "بعض قطع الآثار والمواقع تحكي لنا التاريخ، وبدونها لا يمكن معرفة أي حدث تاريخي، أو التعرف على الشخصيات التاريخية، والحفاظ عليه يقيه من الضياع والاندثار".

ويلفت "المبيض" إلى أن بعض المواقع اكتشتف عن طريق الصدفة، فالحضارات التي مرّت تركت آثارًا مخبأة تحت الأرض، فتكتشف عن طريق الصدفة لا عن طريق العلم، متابعًا: "قطاع غزة عبارة عن متحف مكشوف للآثار، لكن لا يعثر عليها إلا عن طريق الصدف".

ويروي ضيفنا مثالًا على ذلك، قصة تعود لعام 1965، عندما عثر على بعض الآثار بالقرب من شاطئ البحر صدفة بواسطة جرافة، وكشفت عن كتابة داخل دائرة مكتوب عليها "نحن تاجري الخشب بناموس وإيزوس نهدي هذا المكان قرباناً لأمنا إيزيس".

 واعتُبرت تلك الكتابات، وفق المؤرخ أنها دلالة على وجود علاقة تجارية بين فلسطين والدول الشمالية التي تحتوي على غابات وتتاجر في الأخشاب.

ويدعو المؤرخ "المبيض" في ختام حديثه، الأجيال الناشئة لانتهاج طريق البحث، والحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري، وتوثيق ما به من معالم، واعتباره مرجعًا علميًا بحثيًا.