مات خائفًا من جنديّ حاقد..

الطفل ريان سليمان هل سيعود.. إجابة عالقة ومقعد فارغ!

حجم الخط
ريان سليمان
غزة/ بيت لحم - إيمان شبير- وكالة سند للأنباء

تعددت أسباب الموت، لكن هناك شكلًا آخر له في فلسطين، أشد قسوة وأكثر إيلامًا من إصابة بالرصاص ونزيف الدماء، فالمشاهد القاسية ليست بالضرورة مخضبة باللون الأحمر القاني، فقد تكون على هيئة طفل صغير سقط أرضًا مغشيًا عليه من رعب أصاب قلبه برؤيته لجندي ضخم مدجج بالسلاح يلاحقه.

مشهد لا يفارق مخيلة كل من رأى قبل أيام، الطفل الفلسطيني ريَان سليمان (7 أعوام) من بيت لحم، وهو مسجّى ساكنًا لا يتحرك وقد فارق الحياة شهيدًا دون دماء!

واستشهد "ريّان" في 29 أيلول/سبتمبر الماضي أثناء ملاحقة قوات الاحتلال، لطلبة المدارس بمنطقة "خربة الدير" في تقوع بمدينة بيت لحم، أثناء عودتهم لمنازلهم؛ بتهمة إلقاء الحجارة.

لم تكن أماكن المدراس آمنة في فلسطين كما العالم، فَعلى امتداد شارع مدرسة الخنساء في بيت لحم، يمرُّ الطلبة الفلسطينيين بأربعِ نقاط عسكرية إسرائيلية، ومع كل واحدةٍ منهما يعلو منسوب الخوف والتساؤل لدى الأطفال "هل سأكون أنا الشهيد القادم أم لا؟".

فقط في فلسطين، الإجابة تبقى حاضرة في كُلِّ وقت، كما الأنفاس المتسارعة التي حدثت مع الطفل "ريان"، إذ أن ضربات هرولة قدمه كانت أكبر من عُمره؛ فلم يحتمل قلبه وهو يلهث نحو منزله اختباءً من جنود الاحتلال وأسلحتهم الموجّهة نحوه وأشقائه؛ ليتفاجأ بجندٍ أمامه فيسقط أرضًا مفارقًا للحياةِ بنوبةٍ قلبية من شدةِ الخوف.

"ميلاده في الجنةِ أحلى"، بصوتٍ يكاد أن ينطق من هولِ الموقف، يقول ياسر سليمان والد الطفل "ريان": "في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سيكمل ابني عامه الثامن لكن الطفل الفلسطيني قدره أن يكون مختلفًا عن الطفولة العربية المعروفة بالحرية والأمان، فالموت سبق ميلاده بأسابيع".

"مُحبًّا لوطنه"..

بكلماتٍ موجِعة يُعبّر والد الطفل "ريان" لـ "وكالة سند للأنباء": "ابني كان محبًّا لوطنه رغم صغر سنه، وجميع كتبه المدرسية مليئة بعبارات "بدي أدافع عن الأقصى، بحب وطني".

ويُكمل: "ابني ريان يمرُّ بأربعِ نقاط عسكرية إسرائيلية، لم يخش أسلحتهم المدججة، ولم يخش يومًا من الجنود ومستوطنيه، لكن استشهاده كان بطريقةٍ مرعبة لطفلٍ لما يتجاوز الـ 8 أعوام حينما رأى جندي إسرائيلي ظهر أمامه بسلاحه".

لم يستطع الأب ياسر أن تغفو عينه بعد وفاة طفله، فاستشهاده -بحسب وصفه- موجع للقلب أكثر من سيل دمائهِ على الأرض، فلا تتجاوز ذاكرة الأب ذلك المشهد أبدًا، حينما رأى "ريان" مُلقى على بطنه ويديه مفرودتين كطائرٍ سقط بجناحيه من شدةِ الخوف، مُردفًا: "سكبت على وجهه الماء ولم يصحو".

وفي سؤالنا عن صفات "ريان"؟ يُجيب "ابني ضحوك، ذكي، متفوق في دراسته، يُحب الحياة رغم المشاهد اليومية من جرائم الاحتلال، شقي في المنزل، وحنون على أشقائه".

ويسرد الأب ياسر تفاصيل الاستشهاد، أن "قوات الاحتلال اقتحمت بيته للبحث عن أشقاء ريان، الذي خرج من البوابة الخلفية للمنزل، ووجد الجنود الإسرائيليون في وجهه، وأغمى عليه بعدها"، مشيرًا إلى أن جيش الاحتلال أعاق وصول سيارات الإسعاف لإنقاذ طفله؛ الأمر الذي أدى لاستشهاده نتيجة توقف قلبه عن العمل.

ويؤكد والده، أن "نجله لم يتعرض لأزمةٍ صحية من قبل، ولم يشكُ أبدًا، وهو بصحةٍ جيدة"، لافتًا إلى أن طفله توفي نتيجة الخوف الشديد من جبروت الاحتلال.

"وجعُ السؤال"..

مديرة مدرسة "ريان"، تُعبر منى عبد الله بكلماتٍ من الحزن، "ريان مثال للطالب المهذب، النشيط، المتفوق" مشيرةً إلى أن استشهاده حدث ليس هيّنًا، ومصاب جلل.

وتُكمل "منى" لـ "وكالة سند للأنباء"، أنَّ من أبرز الأسئلة التي رافقتها من قبل طلبة المدرسة، هي الاستفسارات حول زميلهم ريان، هل سيعود أم سيظل غائبًا للأبد، فلا إجابة تُشفي غليل نارهم.

وتُشير "منى" إلى أن والدة الطفل تأتي كل يوم إلى المدرسة قبل انتهاء الدوام لتذهب مع ابنها إلى المنزل، لكن هذه المرة الوحيدة التي لم تأتِ، مُشيرةً إلى أن الخوف استفرد في قلبِ ريان من جنود الاحتلال وأسلحتهم المدججة.

وتلفت إلى أن "ريان" تناول فطورًا جماعيًّا مع زملائه في المدرسة أثناء نشاط ترفيهي لهم، وكان يتمتع بسعادةٍ غامرة مثل طائر صغير يُحلّق بسعادته، بحسب تعبيرها.

ورغم الإدانات المحلية والدولية الغاضبة والواسعة لاستشهاد الطفل ريان سليمان؛ إلا أن قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تكترث لذلك، بل تتربص للأطفال كل يوم أمام مدارسهم لترويعهم والاعتداء عليهم، وإعاقة وصولهم إلى منازلهم وفق ما تورده "منى".

يُشار إلى أن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين ارتقوا منذ بداية العام الجاري، بلغ 34 شهيدًا، من إجمالي عدد الشهداء 167، وفق معطيات التجمع الوطني لأُسر شهداء فلسطين.