لم يكن إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة يعني بالضرورة أن الحرب أوزعت أوزارها، ولا أن الخوف جلا عن البيوت، ولا أن القلوب وجدت أخيرًا مساحةً لتلتقط أنفاسها المجهدة.
فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار ظهر يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ظلّ الموت حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وبقي الغزيون يعيشون بين قصفٍ يتجدد في أي لحظة، ونبأ شهيدٍ جديد، وقلقٍ متواصل على قريبٍ أو حبيب أو ذاكرةٍ تعصف بها ذكريات من رحلوا.
وبعد عامٍ كامل على هذا الاتفاق الهشّ، بقيت غزة عالقةً في منطقة رمادية قاتمة؛ فلا هي خرجت من أزيز الرصاص وطنين المسيرات، ولا هي استطاعت أن تخطو أولى خطواتها نحو حياة ما بعد الحرب.
وفي حصيلة تعكس واقع هذا "الهدوء المفخخ"، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة أن عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار بلغ 1,467 شهيدًا، فيما وصل عدد المصابين إلى 5,161 مصابًا، إضافة إلى انتشال جثامين 836 شهيدًا من تحت الركام، حتى تاريخ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.

الفقد.. حربٌ أخرى لا تتوقف
وسط هذا الواقع الممتد، لم يعد الخوف في غزة مقترنًا بصوت الانفجارات فحسب، بل بات مشتبكًا بأسماء أشخاص يدرك ذووهم أنهم على موعدٍ مع فقدِهم في أي لحظة.
تقول السيدة أم محمود (48 عامًا)، من حي الرمال وسط مدينة غزة، إن الخوف من فقد الأحبة كان يتسلل إليها باستمرار، لليقين الحاضر دائمًا بحجم الخطر الذي يحفّ بهم رغم "الهدنة".
وتضيف أن "الاحتلال ليس له أمان"، فكل خبر غيابٍ كان يترك وجعًا جديدًا يغرس سكينًا في الروح، حتى وإن كان الفقد احتمالًا متوقعًا في كل حين.
تستعيد أم محمود مع مراسلة "وكالة سند للأنباء"، إحدى أكثر اللحظات قسوة في ذاكرتها، حين وصلها أثناء خطبة صلاة الجمعة، نبأ استشهاد شقيقها وابن خالتها وصديق طفولتها الأسير المحرر رمزي أبو ريدة، بعد أن أمضى 18 عامًا في سجون الاحتلال.
تتذكر بألم أن فرحتهم برمزي لم تكد تكتمل؛ فقد تزوج وأنجب طفلين بعد أربعة أعوام من تحرره، قبل أن يغادرهم شهيدًا، تاركًا خلفه عائلة كانت تتمنى أن تعوضه سنوات الأسر بطول البقاء بين أبنائه.
وكان رمزي، كما تروي، يدرك أن حياته مهددةٌ باستمرار، ويتعامل مع ذلك بحذرٍ شديد؛ فحين كان يزورهم، لا يطيل المكوث أكثر من عشر دقائق ثم يغادر، خشية أن يعرض من حوله للخطر، وكان يتردد على لسانه دائمًا: "أنا جاهز للقاء ربي".
تؤكد أم محمود أن هذه العبارة اكتسبت بعد رحيله معنىً أشد ثقلاً؛ فالكلمات التي كانت تمر عليهم كحديثٍ عابر، أضحت بعد غيابه شاخصةً في الذاكرة، محملةً بثقل الفقد ومرارته.
وكانت الأيام التي تلت استهدافه من أصعب ما مرّ به أهله؛ فقد دخل غرفة العمليات وبقي أيامًا في حالة حرجة، عاشت الأسرة خلالها بين الخوف والرجاء والمناجاة، حتى جاء النبأ الذي كانوا يخشونه: رمزي شهيدًا.
تختم أم محمود حديثها بنبرة حزن عميق: "ما فقدنا شخصًا واحدًا؛ فقدنا أخًا، وابن خالة، وصاحب طفولة، ووجهًا اعتدنا وجوده بيننا".
جراح استيقظت.. وجسد يحمل أثر الحرب
أما مريم أشرف سلامة (23 عامًا)، فلم تكن بحاجة إلى جولة قصف جديدة كي تتذكر الحرب؛ فجسدها وذاكرتها يحملان ندوبها الشاخصة.
أصيبت مريم في وجهها بتاريخ 2 يوليو/ تموز 2024، ليت ترك الجرح أثرًا نفسيًا وجسديًا عميقًا، حتى بات كل صوت صاروخ أو انفجار يعيد إلى مخيلتها رائحة دمها وذاكرة اللحظات الأولى لإصابتها.
وفي عام 2026، تزوجت مريم على أمل أن تكون الهدنة بدايةً لحياة أكثر استقرارًا، واستأجرت رفقة زوجها منزلًا بسيطًا، محاوِلةً البدء من جديد وطرق أبواب الأمل، وترك وجع الحرب خلفها ما استطاعت، غير أن الحرب لم تتركها.
تقول مريم: "هاد احتلال والواحد ما بيأمن، لكن بتضلها أهون من أيام الحرب الأولى".
وفي إحدى ليالي الهدنة، استيقظت مريم على إصابة جديدة والدم ينزف من جسدها، إثر انهيار سقف الغرفة فوقها عقب قصفٍ استهدف المكان المحيط بها، بينما كان رأس الصاروخ المتفجر على مسافة قريبة منها، وتساقطت فوقها أشلاء من جثامين شهداء كانوا في الموقع المستهدف.
لم تستوعب مريم في اللحظات الأولى شواهد ما حدث، سوى أن الموت كان يربض على مقربة منها مرة أخرى.
توضح "سلامة" لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، أنها نجت بأعجوبة، لكنها خرجت من تلك الليلة بصدمة جديدة التحمت بجرحها القديم؛ وكأن الهدنة وجهت إليها رسالة قاسية مفادها أنه لا هدنة تعني بالضرورة حقًا في الحياة، ولا توقفًا مؤقتًا للنار يمنح الطمأنينة.
ولم تجد مريم سيارة إسعاف تنقلها سريعًا في تلك الليلة، في ظل استهداف الاحتلال عدة أهداف متفرقة في القطاع، والشح الحاد في الإمكانيات الطبية، لتجد نفسها أمام تجربة تعيد إنتاج الخوف ذاته الذي ظنت أنها بدأت تتجاوزه.
ولم يقف أثر الحرب عند حدود الجراح الجسدية؛ فحتى من نجا من الموت ما زال يعيش تحت وطأة استنفار داخلي لا يهدأ، وكأن الحرب خلّفت في الأرواح حالة تأهب دائمة.
تقول الشابة شروق شابط إن الخوف ما زال يستبد بها حتى بعد الهدنة، وإن المشاهد التي عاشتها خلال الحرب من دمار وأشلاء وركام وقصف متواصل لم تغادر ذاكرتها لحظة.
وتستعيد شروق حادثة استهداف المنزل الملاصق لمنزل عائلتها مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حين استيقظت مذعورة على صوت الانفجار وتناثر الزجاج، لتعود إليها بصورة مفاجئة مشاهد الأيام الأولى للحرب بكل قسوتها.
تقول شروق: "إننا لم ننهِ الحرب بعد؛ نعيش كل يومٍ في رعبٍ وقلق، عاجزون عن الاستقرار، ولا نعرف كيف نبدأ الحياة من جديد".
هكذا، لم يعد الاستقرار بالنسبة لكثير من الغزيين مجرد سقف آمن أو منزل صالح للسكن؛ بل أصبح شعورًا مفقودًا في الوجدان، إذ يكفي صوت انفجار قريب لإعادة الإنسان إلى نقطة الصفر، واستحضار ذاكرة أيام القصف الأولى بكل ما حملته من نزوح وفقد وهلع.
المغتربون.. وجع الابتعاد وترقب الشاشات
ولم يكن من هم داخل القطاع وحدهم أسرى هذا الخوف؛ فالمغتربون الذين أرغمتهم الظروف على مغادرة غزة ظلت الحرب تطاردهم بطريقة أخرى، عبر شاشات الهواتف المحمولة، ومتتابعات أخبار القصف، وانتظار مكالمة تُطفئ لهيب القلق المتأجج في أفئدتهم.
تتذكر الصحفية المقيمة في تركيا، نجلاء نجم، لحظة إعلان وقف إطلاق النار باعتبارها لحظة امتزجت فيها الفرحة بالأسئلة المعلقة: هل ستنتهي الحرب فعلًا؟ وهل ستتمكن غزة وأهلها أخيرًا من استراحة المحارب والتقاط أنفاسهم؟
لكن، وبعد مضي عام كامل، ترى نجلاء أن ما سُمّي "وقفًا لإطلاق النار" لم يمنح الفلسطينيين الأمان الذي انتظروه طويلاً.
توضح نجم لـ "وكالة سند للأنباء"، أن نزيف الدم لم يتوقف، وأن كل خبر استهداف جديد يعيدها إلى الدائرة ذاتها: إمساك الهاتف، الاتصال بالأهل، السؤال عن أماكن وجودهم، وحركتهم، وما إذا كانوا بخير، فلم يعد الاتصال بالأهل بالنسبة لها مجرد تواصل عائلي؛ بل تحول إلى طقسٍ يومي للنجاة واستكشاف الحياة.
وتضيف أن أزمة الاتصالات والإنترنت لم تختفِ، وأن انقطاعه في بعض الأحيان يجعل القلق أكثر قسوة وحرقة، خصوصًا حين يقع قصف في المنطقة ولا تتمكن من الوصول إلى عائلتها.
يظل سؤال واحد يرافق نجلاء مع كل غارة: أين أهلي؟ هل هم بخير؟ هل استطاعوا الخروج؟ هل لديهم إنترنت يتواصلون به؟
"هدنة" بلا طمأنينة.. وأزمات لا تتوقف
وبينما خفّت حدة المجاعة مقارنة بذروة الحرب، وفق شهادة نجلاء، بقيت أزمة الغذاء قائمة بأشكال متجددة؛ فهناك مواد غذائية لا تزال مفقودة من الأسواق، وأخرى ترتفع أسعارها إلى مستويات تعجز عائلات كثيرة عن تأمينها.
أما الملف الطبي والعلاجي، فيشكل مصدر قلق آخر يثقل كاهلها، خاصةً مع حاجة أهلها لبعض أنواع العلاج التي كان من المفترض أن يُزود القطاع بها خلال هذه "الهدنة"، ليستمر بذلك التداعي الحاد الذي أصاب المنظومة الصحية جراء العدوان.
بعد عامٍ على الهدنة، لم تعد أسئلة الغزيين تدور فقط حول موعد الانتهاء الكامل للقصف، بل حول قدرتهم على استعادة معنى الحياة ذاته؛ حياةٍ لا يكون فيها كل صوت انفجار نذيرًا بموت جديد، ولا كل غياب عن الهاتف مقدمة لخبر فاجع، ولا كل زيارة عائلية احتمالًا أخيرًا للوداع.
