في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ نحو عام، بدأ الفلسطينيون في حماية تراثهم الثقافي بفضل صندوق طوارئ بقيمة مليون دولار من مؤسسة Aliph Foundation السويسرية.
وأوردت صحيفة Art Newspaper الأوروبية أن الخبراء على الأرض في غزة يقومون بإخلاء القطع الأثرية وتوثيق الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية وتوفير التدريب لعشاق الثقافة للمساعدة في جهود الحماية.
وصرح محمد أبو لحية، مؤسس متحف القرارة الثقافي، الذي تضرر في حرب الإبادة الإسرائيلية "بأن هذه مهمة وطنية وإنسانية بالنسبة لنا. إن تاريخ وتراث غزة هما تراث الإنسانية والعالم. ونحن نفكر في تراثنا في كل لحظة".
وذكر أبو لحية أنه تم نقل أكثر من 2000 قطعة من مجموعة المتحف خلال جهود الإنقاذ الأخيرة التي قامت بها جمعية مياسم للثقافة والفنون، بالشراكة مع المتحف الفلسطيني في الضفة الغربية. وشملت هذه البقايا الأثرية مثل الفخار وشواهد القبور والتماثيل وكذلك الحرف التقليدية الفلسطينية.
صعوبات وتحديات
لقد جعلت الظروف المزرية في غزة جهود الإنقاذ صعبة للغاية. يقول أبو لحية إن العاملين في جمعية مياسم، التي أسستها زوجته نجلاء أبو لحية في عام 2021، اضطروا إلى البحث على نطاق واسع عن أشياء يومية مثل الصناديق والكرتون والإسفنج، والتي يمكن تكييفها لأغراض التخزين.
ويتم تغليف الأغراض التي يتم إنقاذها "بطريقة علمية ومناسبة" وتجهيزها "للإخلاء في حال اجتياح جيش الاحتلال للمنطقة"، بحسب الجمعية. ويجري تنفيذ هذا العمل أيضاً في مواقع أخرى غير معلنة في غزة.
وتؤكد منظمة "أليف"، التي تركز على حماية التراث الثقافي في مناطق الصراع، أن أعمال التوثيق الطارئة لتقييم الأضرار تجري في ثلاثة مواقع ثقافية رئيسية في مدينة غزة: المسجد العمري الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع، والذي دمره الطيران الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول، وبيت السقا، وساحة دار فرح التاريخية.
ويتم تنفيذ العمل بالشراكة مع مركز رواق لحفظ التراث المعماري في الضفة الغربية، وبالتنسيق مع منظمات دولية مثل منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.
وتقول ساندرا بياليستوك، مديرة الاتصالات والشراكات في منظمة أليف: "نظرًا للاستجابة الساحقة من جانب المتخصصين في التراث المقيمين في غزة والضفة الغربية وعلى الصعيد الدولي، والاهتمام الدولي والفلسطيني بحماية التراث الثقافي، فهذا أمر يجب القيام به الآن".
وتضيف: "هذه أولوية مهمة لكثير من الناس في المنطقة، ونحن هنا لدعمهم في هذا المسعى"، مؤكدة أن هذه الجهود ليست عائقًا أمام جهود المساعدات الإنسانية.
تدريبات ميدانية
تقول غالا أليكسا أماغات، مديرة مشروع في أليف، إن تدريب الأشخاص على الأرض كان أيضًا محورًا رئيسيًا. وتسلط الضوء على أن جلسة تدريبية عبر الإنترنت، كانت مخصصة في الأصل للأشخاص في الضفة الغربية، اجتذبت 20 مشاركًا من غزة.
وتقول أماغات: "سار البعض لأميال للوصول إلى اتصال بالإنترنت والانضمام إلى الجلسة"، مضيفة أنها "ذهلت" من تفانيهم.
ويقول فضل العتول، عالم الآثار في غزة الذي يساعد جمعية مياسم في جلسات التدريب، إن ما لا يقل عن 15 شخصًا يشاركون في الجلسات الشخصية على الرغم من الظروف الصعبة.
ويضيف "هذه هي الحياة في غزة؛ نتغلب على الصعوبات". "أحث جميع الداعمين على مواصلة دعم الشباب في الحفاظ على التراث الثقافي حتى يستمر الأمل وحب الحياة، إلى جانب الحفاظ على الآثار".
وتقول بياليستوك إن حماية التراث الثقافي تشكل جزءًا أساسيًا من "لغز بناء السلام": "إن شعارنا هو حماية التراث لبناء السلام؛ وهو عنصر من عناصر بناء السلام. وسوف نستمر في التواجد هنا طالما كانت هناك حاجة إلينا، بما في ذلك بعد انتهاء الحرب، ونأمل أن يكون ذلك قريبًا، وفي المستقبل".
وفي مارس/آذار، ذكر تقرير تقييم الأضرار المؤقت للبنك الدولي أن "ممتلكات التراث الهامة" في غزة تكبدت أضراراً بقيمة 319 مليون دولار.
وأشار التقرير، الذي تم إعداده بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى أنه في الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى 26 يناير/كانون الثاني، لحقت أضرار بنحو 63% من جميع المواقع التراثية، ودُمر 31% منها. ويُعتقد أن هذا الرقم أعلى كثيراً الآن.