مشاعر مختلطة، وقلوب تكاد تخرج من صدور أصحابها شوقاً للديار ولقاء الأحبة، وحالة من الترقب والانتظار تتسارع رويداً نحو مدينة غزة ومحافظة الشمال؛ لاستقبال العائلات والأصدقاء النازحين جنوب قطاع غزة، بعد حرب دموية استمرت ١٥ شهراً من القصف والفقد والنزوح والغياب.
فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية و"إسرائيل" منتصف يناير/ كانون الثاني الجاري طارت قلوب النازحين للعودة، وتلهفت أفئدة أهالي الشمال لاستقبالهم، وسط حالة من الحنين للديار ولقاء الأحبة.
ويقضي نص الاتفاق الموقع بين الجانبين بالسماح بعودة النازحين جنوب القطاع إلى شماله بعد اليوم السابع من الاتفاق والذي يوافق السادس والعشرين من يناير، مشياً على الأقدام على طريق "الرشيد- البحر"، غرباً.
ويتصور أهالي قطاع غزة الشارع المذكور آنفاً، كمطار احتشد فيه الناس ابتهاجاً واستقبالاً لأحبتهم العائدين إلى ديارهم، وبهذا الصدد وثقت "وكالة سند للأنباء" مشاعر الانتظار ولهفة اللقاء شمال قطاع غزة، والتوق لاحتضان عوائلهم وأصدقائهم.
اللقاء المُرتقب..
الشابة سوسن عماد (٢٧ عاماً) تنتظر على أحر من الجمر استقبال أقربائها وصديقاتها النازحات جنوباً، وسط حالة من اللهفة والترقب والمشاعر المختلطة.
تصف "عماد" مجازاً في حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، " نحن نودع أحبابنا قبل سفرهم، ونعلم متى سيعودوا، ونكون على اتصال دائم بهم، ناهيك عن الشعور بالاطمئنان أنهم بخير"، مستدركةً، لكن في غزة كُنَّا في خليطٍ من المشاعر التي يغلفها الرعب والعجز طيلة فترة الحرب، دون أن نعرف موعد اللقاء.
وتتابع:" في هذه الحرب لم نعرف متى النهاية، لم نستطع أن نودع بعضنا، جُلَّ تفكيرنا كيف سننجو بأنفسنا، غير أننا تفرقنا بطريقة غير سويِّة".
وعن اللحظة الأولى واللقاء المرتقب، تقول "عماد" إن تفكيرنا ينصب الآن عن حيثيات اللقاء الأول متسائلةً، كيف سيكون؟ أين سنلتقي؟ فهو أمر عصي عن الخيال.
وبعد صمتها لبرهة من الوقت تقول" لكنها فرحة منقوصة ولم تكتمل، حيث سيرجع خالي وزوجته إلى مدينة غزة، بعد أن استشهد نجليه وعدد من أحفاده".
وتُشاركنا "عماد" عن لهفتها للقاء الأصدقاء الذي أصبح احتياجاً أكثر من كونه رفاهية فحسب، مضيفةً" رغم اختلاف ملامح ومعالم مدينة غزة إلا أن الثابت الوحيد هو اشتياقنا واشتياق غزة لأحبتنا النازحين".
"سنتجول كثيراً في كل طريق، نبكي ونضحك، سنبني ذكرى جديدة ونروي ظمأ قلوبنا" بهذه العبارات تتابع ضيفتنا حديثها، وتزيد "عشنا في غزة أوضاعاً صعبة من جوع وقصف ودمار، لكن عزاؤنا هو لقاء الأحبة".
بعد سفر طويل ..
لا يختلف حال فتحية ساق الله (٣٤ عاماً) كثيراً، فها هي وعائلتها يتجهزون لاستقبال شقيقتهم النازحة جنوب قطاع غزة، مُعبِّرة لمراسلتنا عن اشتياق كبير بعد طول انتظار.
تقول "ساق الله" "شرعنا بترتيب وتنظيف بيت أختي من مخلفات الحرب والقصف، كأجواء استقبال غائب بعد سفر طويل".
وتُبيِّن لنا أنها ستنطلق وعائلتها صباح يوم الأحد إلى شارع الرشيد - البحر، وهو الطريق الذي سيلتقي فيه الأحبة بعد انتظار، مُضيفةً" لا نعرف من سيركض ليحضن الآخر أولاً، لهفة اللقاء تُذيب القلب".
وتترقب "ساق الله" الليلة الأولى بعد عودة شقيقتها بشوق كبير، لتجتمع الفتيات مع أمهم وإخوتهم؛ ليرووا ظمأ قلوبهم.
" لن يكسرنا الحزن.."
وهذه أفنان دلول التي فقدت أكثر من ٥٠ شخصاً من عائلتها خلال مجازر الاحتلال على قطاع غزة، لم تكسرها مرارة الفقد عن الشعور بالشوق لأقاربها لأمها النازحين جنوب القطاع.
وتوضح "دلول" في حديثها لمراسلتنا، " كلنا شوق لاستقبال دار سيدي أهل أمي وأخوالي، رغم أنا معظم قريباتي فقدنَ أزواجهم، وجدِّي فقد بيته الذي كان بيت الحنان والعائلة".
وتزيد أن أقاربهم يستعدون للعودة وتقبيل تراب مدينة غزة، وأن كلفهم أرواحهم والجلوس في خيمة على ركام منزلهم المدمر.
وبالرغم من الحزن الذي يستوطن القلب، إلا أنها لم تسمح للفرحة برجوع أقاربها أن تزول، مشيرةً إلى أنها ستتواجد منذ الصباح الباكر للعودة على شارع الرشيد كحال جميع الأحبة الذين ينتظرون".
ومع دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيِّز التنفيذ، وتحقق بصيص الأمل بعودة النازحين، فقد صالت الأرواح وجالت، شوقاً لتراب المدينة، للبيت، للعائلة والأحبة والذكريات.