يتدلّى الجوع من عيون الأطفال كدمعةٍ ثقيلة، لا تجد لها خدًّا تسيل عليه، يمرُّ على الأمعاء الفارغة كوحشٍ أبكم، ينهش الصمت قبل أن ينهش الجسد، في غزة، لا طعامَ للنهار ولا عزاءَ للّيل، سوى رائحة الخبز الغائب، وحلم الطبخة المؤجّلة.
تنام البطون على خيالات الملاعق، ويستيقظ الصغار على صوت بطونهم، وهي تستغيث بصرخة لا يسمعها العالم، هذا ليس جوعًا فقط، إنه حربٌ تُشنّ على الملاعق، وعلى فتات الخبز، وعلى حياةٍ لم تعد تعرف طعم الشبع.
ويواجه فلسطينيو القطاع موجة الجوع منذ إغلاق الاحتلال معابر غزة، مطلع مارس/ آذار المنصرم، وفرض قيود مشددة على دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والوقود والدواء، للقطاع منذ أكتوبر/ تشرين 2023 الماضي.
ومع مرور الوقت، استنفد سكان غزة كل موارد الطعام وأصبحت المحلات فارغة، ومسألة العثور على رغيف خبز أشبه بالمستحيل، فيما تشهد أسعار المتوفر من البضائع أسعارًا خيالية، حتى بات "الموت جوعًا" سببًا من أسباب الموت في القطاع وأشرسها.
"منذ 3 أيام لم نأكل"..
قالت إكرام الكحلوت، وهي أم من قطاع غزة، إن عائلتها لم تتمكن من تناول الطعام منذ ثلاثة أيام، مضيفةً بصوتٍ قاهر: "كل ما نوصل لحد الموت، نرجع نتحمّل. الدبابات فوق رؤوسنا، وتعبنا من الشخير والجوع."
وتابعت "الكحلوت" في مقابلةٍ مصوّرة لـ "وكالة سند للأنباء"، وهي تحاول تهدئة طفلتها الصغيرة التي تعاني من شلل دماغي: "بنتي لازم تأكل علشان تتحرك، بس ما في طعام، قبل يومين صحيت الساعة ثلاثة الفجر، قالتلي: طبختِ يا ماما؟ وأنا ما عنديش شي أطعمها إياه، الوضع مأساوي، مافيش طحين، مافيش مؤونة، ولا حتى عدس نطبخه."
وأضافت بحرقة: "اللي كان حقه شيكل صار حقه ميت شيكل، وإحنا مش قادرين نشتري لأولادنا، قاعدين نموت، مش قادرين نشتري رغيف الخبز بعشرة شيكل، تعبت يا ربي، بدنا نوقف الحرب، بدناش نموت هيك."
أما إكرام صلاح، فقالت إن أبناءها باتوا يتضوّرون جوعًا أمام عينيها: "كل يوم بتفعفروا من الجوع، وأنا مش قادرة أطعميهم."
وأضافت: "أتمنى من كل الدول العربية، ومن أصحاب الأيادي البيضاء، إنهم يوقفوا معنا، أقل شي بدنا لقمة العيش، والله مش قادرين نوفر الغيف لأولادنا."
وتابعت صلاح: "ما في طحين، ولا عدس، ولا حتى مي، إحنا بنعيش حياة مأساوية بكل معنى الكلمة."
من جهته، قال المواطن عيد أبو خاطر إن أطفال غزة لم يأكلوا منذ أيام، مؤكدًا أن الجوع ينهش أجساد الجميع: "إحنا كشعب – شباب ونساء وأطفال – كلنا بنعاني، لا أكل ولا مي، وكأنهم مش شايفينا."
وأضاف بحسرة وغضب: "وين الدول العربية؟ وين التحرك؟ متى راح يتحركوا؟ لما نموت وننحط في القبور وتيجي الدبابات فوق روسنا؟ بكفي يا جماعة الخير، بكفي!".
ولم يعد بمقدور الفلسطينيين توفير الحد الأدنى من مقومات البقاء، حيث فقد غالبيتهم الدقيق اللازم لصناعة الخبز، بينما ترتفع أسعار الكميات القليلة المتوفرة منه في السوق السوداء، بشكل لا يمكن الفلسطينيين المجوّعين الحصول عليه.
ومع تفاقم أزمة الغذاء، أعلنت وزارة الصحة، عن تسجيل 18 حالة وفاة خلال 24 ساعة فقط بسبب الجوع وسوء التغذية، فيما ارتفع إجمالي الوفيات حتى الآن إلى 86 ضحية، من بينهم 76 طفلًا، غالبيتهم من الفئات الأضعف والأكثر هشاشة.
وتشير التقارير الطبية إلى أن نحو 17 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد، في حين يُصنّف ما لا يقل عن 800 طفل في حالة حرجة تهدد حياتهم، نتيجة نقص الغذاء والعجز عن توفير الرعاية الصحية اللازمة.
ورُصدت خلال الأيام الماضية حالات متكررة لأشخاص ينهارون في الشوارع وأمام أبواب المستشفيات، دون أن يتمكنوا من الوصول إلى علاج أو غذاء.
