الساعة 00:00 م
الخميس 04 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.85 جنيه إسترليني
4.05 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.33 يورو
2.87 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

صبري: لن نسمح بالتدخل في شؤوننا الدينية والآذان حق ثابت لا يمس

3839 شهيدا ومصابا بقطاع غزة منذ أكتوبر 2025

استفحال "التكييش" في غزة.. استنزاف لجيوب المواطنين المرهقة أساسًا من الحرب

حجم الخط
التكييش
غزة - وكالة سند للأنباء

في قلب الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تعصف بقطاع غزة، برزت ظاهرة خطيرة تُعرف بـ "التكييش" أو بيع السيولة النقدية، حيث يجد المواطنون أنفسهم مضطرين لبيع أموالهم المودعة في البنوك أو المستحقات المالية، مقابل مبالغ أقل بكثير من قيمتها الفعلية، فقط لتلبية احتياجاتهم اليومية الملحّة.

إذ وصلت عمولة الحصول على السيولة في قطاع غزة، لأكثر من 45% وهو ما يعُدّه خبراء استغلالًا مجحفًا لمعاناة الناس، فهذه الظاهرة لا تُفاقم الأوضاع المعيشية فحسب، بل تهدّد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الغزّي، وتخلق شرخًا طبقيًا عميقًا بين من يملك السيولة ومن يفتقر إليها.

وبين العجز الرسمي عن ضبطها، وتنامي أرباح القائمين عليها، تتحوّل أزمة السيولة إلى جرح ينزف في جسد غزة المُحاصر.

وأكد عميد كلية الاقتصاد بجامعة الأزهر في مدينة غزة سابقًا سمير أبو مدللة، أن أزمة نقص السيولة في قطاع غزة تتفاقم بشكل خطير مع استمرار العدوان الإسرائيلي، محذرًا من أنها قد تؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي واستغلال المواطنين بشكل غير مسبوق.

أصل الأزمة..

يرفض الاحتلال منذ بداية الحرب على غزة التي قاربت على العامين، إدخال كميات جديدة من العملات النقدية إلى غزة، أو استبدال العملة التالفة وفقًا لاتفاق باريس الاقتصادي، ما تسبب بأزمة سيولة خانقة وتعطّل الدورة الاقتصادية، ما دفع الناس للاعتماد على السوق السوداء، خاصة بعد أن أغلقت البنوك أبوابها، وفق ما أورده أبو مدللة.

وأضاف "أبو مدللة" في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أنّه وفي ظل أزمة نقص السيولة التي شهدت تفاقمًا تدريجيًا، وجد المواطن نفسه مضطرًا للتعامل مع "تجار العمولة"، لسحب ما تيسر من أمواله المودعة في الحسابات البنكية، وهو ما فتح الباب أمام استغلال حاجة الناس الملحّة.

وبدأت نسبة "العمولة" بالارتفاع تدريجيًا من 10% إلى أن وصلت اليوم لأكثر من 45%، ترافق ذلك مع رفض تعامل التجار وأصحاب البسطات الصغيرة التعامل مع العملات التالفة تحديدًا فئة الـ 20 شيكلًا، وما سبقها من رفض التعامل مع فئة 10 شواكل.

وأكد "أبو مدللة"، أن أزمة نقص السيولة في قطاع غزة تتفاقم بشكل خطير مع استمرار العدوان الإسرائيلي، محذرًا من أنها قد تؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي واستغلال المواطنين بشكل غير مسبوق.

وشدد أن "استمرار هذه الظاهرة سيترك عواقب وخيمة على الاقتصاد الغزّي، ويتقاطع مع أهداف الاحتلال الذي يشن حربًا لا هوادة فيها على الإنسان، والمؤسسات، والأوضاع الصحية والتعليمية، وكل مناحي الحياة في قطاع غزة".

وأوضح أنّه بالرغم من محاولات سلطة النقد الفلسطينية، عبر الدعوات لقبول العملة التالفة، إلا أنّ ذلك لم يلقَ أي استجابة لأن "قوة السوق أقوى حاليًا من سلطة النقد"؛ مشيرًا إلى أنّ استمرار العدوان يمنح بعض التجار مساحة للاستغلال في ظل غياب الرقابة الفعلية على ظاهرة "التكييش".

ونبّه إلى أنّ استمرار هذه الظاهرة سيقود إلى اختفاء العملة تدريجيًا من السوق المحلي، خاصة أن بعض التجار باتوا يجمعون السيولة لشراء البضائع من الجانب الإسرائيلي عبر قنوات بعض المنظمات الدولية التي تُدخل المساعدات، ما يفاقم أزمة الاقتصاد المحلي ويُسهم في مزيد من إفقار المجتمع الغزّي.

أين الحل؟

ظاهرة "التكييش" ليست مجرد أزمة مالية، بل هي تهديد خطير للنسيج الاجتماعي والاقتصادي في غزة، كما يصفها أبو مدللة، الذي طالب بحلول عاجلة وجذرية لتوفير السيولة، وضبط السوق، ومنع استغلال المواطنين في ظروفهم القاسية.

وفي هذا الإطار دعا، سلطة النقد ووزارة المالية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذا النزيف الاقتصادي، مقترحًا فتح صفحات إلكترونية مخصصة لتلقي شكاوى المواطنين ضد كل من يستغلهم في هذه الظروف الصعبة.

وشدد على ضرورة أن تبدأ وزارة المالية باتخاذ إجراءات صارمة، مثل إيقاف حسابات المخالفين في البنوك ومنعهم من السفر، على أن تتبعها سلطة النقد بفرض عقوبات لاحقة على التجار والصرافين الذين يستغلون حاجة المواطنين للتكييش.

فيما حذّر أستاذ العلوم الاقتصادية نائل موسى من خطورة ظاهرة "بيع السيولة" المنتشرة في قطاع غزة، واصفًا إياها بأنها "جريمة حرب، لما تنطوي عليه من استغلال قاسٍ لحاجة الناس وظروفهم الإنسانية الصعبة.

وقال موسى لـ "وكالة سند للأنباء" إنّ "الأموال محفوظة في البنوك وفي الحسابات، ولأصحابها الحق في استردادها بمجرد عودة عمل البنوك بشكل طبيعي، لأن المودع يُعتبر دائنًا للبنك وليس شريكًا له، والأصل أن يحصل المواطن على أمواله كاملة دون انتقاص".

ولفت إلى أنّ استغلال حاجة الناس وشراء أموالهم بأسعار بخسة جريمة لا يمكن القبول بها دينًا ولا عرفًا، فمن يقوم بـ "تكييش" الألف شيكل مقابل 500 شيكل يرتكب نفس جرم الاحتلال في قضم ثروات الناس وتجريدهم من حقوقهم الاقتصادية.

ويتفق موسى مع أبو مدللة، في أن سلطة النقد، رغم مسؤوليتها، لا تملك حاليًا نفوذًا فعليًا في غزة يتيح لها ضبط هذه الممارسات في ظل الدمار والأوضاع الاستثنائية.

وأوضح أن استمرار "التكييش" يُفاقم الفقر ويعمّق الفجوة الطبقية في المجتمع، متابعًا: "أنت عندما تأخذ من المواطن المحتاج ألف شيقل بنصف قيمتها، تدفعه إلى دائرة الفقر والعوز، وتخلق حالة من الحقد الطبقي، وستبقى آثارها حتى بعد انتهاء الحرب".

وذكر أنّ "ما يجري يجعل غزة والضفة تتحولان إلى مناطق غير قابلة للحياة، وهو ذات المخطط الذي تسعى إسرائيل لتنفيذه، عبر تجفيف الموارد واستنزاف المواطنين، الأمر الذي يستدعي تحركًا عاجلًا لوضع حد لهذه الجريمة الاقتصادية والاجتماعية".

إجراءات قانونية..

من ناحيته، رأى المحامي النقابي أيمن أبو عيشة أنّ ظاهرة بيع السيولة النقدية تُعد جريمة يعاقب عليها القانون، مستندًا إلى نصوص قانونية واضحة تجرّم هذه الممارسات، التي تستغل الظروف الإنسانية الصعبة للمواطنين، لا سيما في ظل الأزمات والحروب.

وبيّن أبو عيشة لـ "وكالة سند للأنباء" أن المادة القانونية ذات الصلة تتيح لكل مواطن الحق في اللجوء إلى القضاء والنيابة العامة ومختلف الجهات المختصة لاسترداد حقوقه، محذرًا من الجهات المنظمة التي تعمل على استنزاف الناس وتكوين ثروات على حساب آلامهم واحتياجاتهم الملحّة.

ويعتقد أنّه "في ظل الحرب، قد تُطبَّق أحكام العقوبات الثورية بحق هؤلاء، وبعد انتهاء الحرب ستلاحقهم قوانين مدنية وجنائية، لأن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم"، مؤكدًا على ضرورة تكاتف الجهود القانونية والمجتمعية للحد من هذه الظاهرة، التي وصفها بـ "خطر اقتصادي واجتماعي" يُفاقم معاناة المواطنين.