تواجه مؤسسة "غزة الإنسانية" (GHF)، وهي منظمة غير ربحية أمريكية تُقدّم مساعدات غذائية في قطاع غزة بدعم إسرائيلي وأمريكي، موجة واسعة من الانتقادات والاتهامات الحقوقية، بعد تسريب معلومات خطيرة حول طبيعة عملها وشروط التوظيف لمتعاقديها الأمنيين.
ووفق تحقيق نشره موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي، فإن المؤسسة تعتمد في عمليات توزيع المساعدات على مقاولين أمنيين مسلحين، يتم انتقاؤهم وفق قدراتهم القتالية، وتُشترط فيهم القدرة على "إطلاق النار والحركة والتواصل"، وهي معايير لا تتماشى إطلاقًا مع العمل الإنساني.
ورغم أن مؤسسة "غزة الإنسانية" تروّج لنفسها كمبادرة إنقاذية وسط المجاعة المتفشية في غزة، فإن خلفيات موظفيها الأمنيين، وانتماءاتهم الأيديولوجية، وسلوكياتهم الميدانية، تكشف عن جانب أكثر قتامة: عمليات توزيع المساعدات أصبحت مرتبطة بالاستخدام المفرط للقوة، والموت.
شرط غير إنساني: "هل لا تزال قادراً على إطلاق النار؟"
في منشور أثار جدلاً واسعًا على "فيسبوك"، دعا جوني "تاز" مولفورد، وهو مقاول أمني أمريكي سابق، وعضو بارز في نادي دراجات نارية متطرف يُعرف باسم "الكفار" (Infidels)، إلى الانضمام إلى "فرصة عمل" في غزة، شرط أن يكون المرشح "لا يزال قادرًا على إطلاق النار والحركة والتواصل".
مولفورد، الذي خدم سابقًا في مشاة البحرية والجيش الأمريكي، يُعد واحدًا من أبرز الوجوه العاملة ضمن شركة UG Solutions، وهي شركة أمن خاصة متعاقدة مع GHF، مسؤولة عن تأمين مواقع توزيع المساعدات.
ورغم أنه رفض الإدلاء بتفاصيل، فقد أكّد تواجده في "إحدى نقاط التفتيش في (إسرائيل)" عند سؤاله عن مهمته الحالية.
خلفيات متطرفة.. وصمت رسمي
انتماء مولفورد إلى نادي "الكفار"، المعروف بتبنيه رموز الحروب الصليبية وخطابه العدائي تجاه الإسلام، يثير علامات استفهام حول الرسالة الحقيقية لمؤسسة تُقدّم الغذاء تحت تهديد السلاح.
وشوهد مولفورد في صور عديدة وهو يرتدي سترات تحمل صلبانًا صليبية، وشمًا بارزًا برمز "فرسان الهيكل"، وتاريخ "1095" الذي يرمز إلى بداية الحملة الصليبية الأولى. وهي رموز تُستخدم عادة من قبل تيارات اليمين المتطرف للإشارة إلى حرب مقدسة ضد المسلمين.
ووفقًا لمؤرخ العصور الوسطى ماثيو غابرييل، فإن هذه الرموز لا تعبّر عن ارتباط حقيقي بالتاريخ، بل هي تمثيل "لرغبة عنيفة في الانتقام من المسلمين".
وفي ظل هذه الخلفيات، يزداد القلق من أن توزيع الغذاء في غزة لم يعد مجرد نشاط إغاثي، بل أصبح مسرحًا لعنف ممنهج ضد المدنيين، وخصوصًا عندما يتم بإشراف متعهدين يحملون مشاعر عدائية ضد المجتمع الذي يُفترض أنهم يقدّمون له العون.
مئات الضحايا خلال طلب الطعام
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1700 فلسطيني قتلوا منذ بدء عمليات GHF في غزة، بينهم 859 شخصًا قُتلوا بالقرب من مواقع توزيع المساعدات، و514 آخرين أثناء محاولتهم الوصول إلى قوافل الإغاثة.
وتقول المنظمة إنها توزع أكثر من 108 ملايين وجبة، لكن الأرقام تشير إلى أن هذه الوجبات تُقدّم في بيئة مشحونة بالسلاح والخطر، وأن توزيع الطعام أصبح مشروطًا بالمجازفة بالحياة.
شركات أمنية بدلًا من الإغاثة.. وخرق لمبادئ العمل الإنساني
تتعاون مؤسسة GHF مع ثلاث شركات أمنية أمريكية على الأقل، من بينها UG Solutions، والتي تُعلن نفسها كـ"شركة خاصة موجهة لأهداف محددة، ذات انتشار عالمي"، وتسعى لتوظيف قدامى المحاربين في القوات الخاصة الأمريكية.
ومن المعروف أن الشركة يديرها ضباط سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية والقوات الخاصة.
وبحسب موظفين سابقين، فإن مهمة هؤلاء لا تقتصر على حماية المساعدات، بل تشمل السيطرة على الحشود، باستخدام رذاذ الفلفل وطلقات نارية تحذيرية، في بيئة تعاني أصلاً من الجوع واليأس.
وقد رفضت منظمات إغاثية دولية التعاون مع GHF بسبب خرقها لمبدأ الحياد الإنساني، وخصوصًا استخدام متعاقدين مسلحين في مهام يفترض أن تكون مدنية وإنسانية بالكامل.
خلف الكواليس: خطاب كراهية وتحريض
لم تتوقف التحذيرات عند خلفية مولفورد وحده، بل طالت أيضًا شركاء آخرين لـ GHF، أبرزهم ماثيو مورفي، مدير منظمة "Sentinel Foundation" الشريكة في بعض العمليات اللوجستية في غزة، والذي صرّح في مقابلات إعلامية بأن "الإسلام ليس مجرد دين، بل أيديولوجية يجب قمعها"، واصفًا فلسطين بأنها "كوخ صغير" لا يستحق الاهتمام.
ورغم كل هذه الفضائح، لم تصدر مؤسسة GHF أو شركاؤها أي توضيحات مقنعة. واكتفى درو أوبراين، المتحدث باسم UG Solutions، بالقول إن "كل أعضاء الفريق يخضعون لفحوص خلفية شاملة، ولا نتحقق من الهوايات أو الانتماءات التي لا تتعلق بالأداء الوظيفي".
لكن منظمات حقوقية وأعضاء في الكونغرس الأمريكي عبّروا عن قلقهم العميق. وقد وجه أربعة نواب ديمقراطيين رسالة تحذيرية إلى UG Solutions، محذرين من إمكانية تحميل موظفيها المسؤولية القانونية إذا ثبت تورطهم في جرائم حرب.
وتؤكد تلك المنظمات أن ما يحدث في غزة حاليًا ليس مجرد توزيع مساعدات، بل نموذج خطير لتحويل الإغاثة إلى أداة سيطرة وقتل، في منطقة تعاني من التجويع الممنهج والعزل التام. عندما يصبح "إطلاق النار" شرطًا للوظيفة في مؤسسة تحمل اسم "إنساني"، فإننا أمام أزمة أخلاقية حقيقية، تتطلب تحقيقًا دوليًا شاملاً، ومساءلة كل المتورطين في هذه الجريمة المقنّعة.

