الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 8 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

لوحات تحترق وذاكرة تشتعل..

بالصور من الريشة إلى النار.. قصة فنان غزّي في زمن الحرب

حجم الخط
طه أبوغالي.jpg
غزة - وكالة سند للأنباء

في خيمة صغيرة بمدينة أصداء جنوب قطاع غزة، حيث الرماد هو الدفء الوحيد، يجلس الفنان الفلسطيني طه أبو غالي (43 عامًا)، محاطًا بأطفاله الخمسة، بعد أن فقد كل شيء في حرب لم تُبقِ له سوى ذكرياته... ولوحاته.

لم يجد أمامه ما يطهو عليه رغيفًا يسد جوع أطفاله سوى أن يحرق ما رسمه طوال عقدين من عمره، لوحاتٍ كانت تنبض بالأمل فصارت وقودًا للبقاء: "أحرقت حتى الآن 25 لوحة.. كل واحدة كانت تحمل موقفًا ووجعًا وذكرى خاصة"، يقول طه، بنبرة تختلط فيها المرارة بالغضب.

كانت إحدى تلك اللوحات تجسّد والدته وهي تحتضن شقيقه الشهيد، الذي فقده خلال "الاقتتال الداخلي" المؤسف عام 2006، لوحة أخرى، دمج فيها صور الأمهات الثكالى اللواتي ودّعن أبناءهن في الحروب المتعاقبة على غزة.

ولم تكن هذه الأعمال مجرد ألوان، بل ذاكرة جماعية، وجدرانًا ناطقة بالألم الفلسطيني، واليوم، تحوّلت إلى رماد يُغذّي نار الخبز.

IMG_3354.jpeg
 

نزوح متكرر.. وذاكرة تُنقذها النار

يعيش طه أبو غالي منذ أشهر رحلة نزوح شاقة، من غزة إلى خانيونس، ثم رفح، ثم العودة إلى مدينة حمد، في نزوح متكرر أعاده إلى نقطة البداية أكثر من 11 مرة، تنقّل خلالها بأطفاله ولوحاته، ينقلها كما تنقل القطة صغارها هربًا من الخطر، لكنه لم ينجُ من الخطر ولا من الفقد.

يضيف طه في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء": "هذا النزوح المتكرر أنهكني وأفقرني... لم أعد أستطيع إطعام أطفالي". مع نفاد الخشب وغياب المساعدات، لم يجد وسيلة للطهي سوى إحراق لوحاته، بعضها فكّ إطاراتها للحصول على قطع الخشب، وأخرى ألقاها كاملة في النار.

فنّان من ذاكرة غزة..

منذ الطفولة، اكتشف طه موهبته، فدرس الفنون في الجامعة بين عامي 2002 و2004، وشارك في معارض فنية محلية ودولية، ورسم جداريات وأعمالًا نحتية تحمل روح المكان وهمّ الإنسان الفلسطيني. كانت لوحاته صرخات جميلة وسط الحرب، لكنها اليوم تُحرق بصمت على عتبة خيمة متهالكة.

ورغم التعاطف الكبير الذي أثاره إحراقه للوحات، داخل غزة وخارجها، إلا أن طه يصفه بأنه "تعاطف ناقص".

ثم يتابع مثقلًا: "العالم تعاطف مع بعض الخربشات، لكن لم يتعاطف مع دم الشهداء، ولا مع صرخة طفل جائع... كل هذا لم يمنح أطفالي رغيف خبز واحد، ولم يوقف القصف".

ورغم كل هذا التعاطف، لم تتغير الحقيقة القاسية على الأرض: الجوع يزداد، والمساعدات لا تصل، واللوحات لا تُؤكل.

Screenshot 2025-08-20 121426.png


وفي محاولة يائسة لتوفير الحد الأدنى من الحياة، خرج طه بدراجته الهوائية ذات يوم بحثًا عن الطحين، لكنه عاد بخيبة أخرى: "ذهبت إلى الموت من أجل الطحين.. رأيت الجرحى والشهداء على الطرقات، ولم يقدر أحد على إسعافهم، أنقذت أحد الجرحى، أوصلته إلى مستشفى ناصر، وعدت لأطفالي بلا طحين".

IMG_3356.jpeg

IMG_3355.jpeg
 

لا شيء تبقّى سوى الرماد

"أمنيتي لم تعد أن أبيع لوحاتي.. بل أحيانًا، أتمنى أن أحرق نفسي وأغادر هذا العالم القذر إلى الأبد."

صرخة هذا الفنان لا تخرج من لوحاته اليوم، بل من رمادها، فهي توثق مأساة لا ترسمها الريشة، بل تعيشها الأجساد، وتصرخ بها دموع الأطفال ووجوه النازحين، في قطاع محاصر يعيش حرب إبادة جماعية، لا يهتم بها العالم إلا عندما تحترق اللوحات.. لا عندما يحترق الإنسان.