وسط أزمات متراكبة تعصف بقطاع غزة المنهك منذ بدء الحرب الدامية، تتفاقم معاناة المواطنين يومًا بعد آخر، في ظل شُحّ حاد بمواد التنظيف والمياه، ما ساهم بتدهور الظروف الصحية والمعيشية، وزاد من الأعباء النفسية والاقتصادية على الأهالي، خصوصًا النساء اللواتي حُرمن من الحد الأدنى من الخصوصية والعناية الشخصية.
إذ تشهد الأسواق في مختلف مناطق القطاع نقصًا حادًا في أدوات التنظيف الأساسية، وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار المستلزمات المتوفرة، نتيجة الحصار الإسرائيلي المتواصل وإغلاق المعابر منذ نحو ستة أشهر، ما حال دون إدخال هذه المواد الحيوية التي لا تقل أهمية عن الغذاء والدواء.
وقد حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من مخاطر صحية متفاقمة تُهدد حياة 2.2 مليون فلسطيني في قطاع غزة، أكثر من 85% منهم نازحون، نتيجة الانهيار الحاد في شروط النظافة لاسيما في الخيام ومراكز الإيواء المكتظة، ما يُنذر بتفشٍ واسع للأمراض المعدية.
وفي وقت تتضاءل فيه الاستجابة الدولية وتتراجع آمال الغزيين في أي انفراجة قريبة تُنهي مأساتهم، باتت العائلات أمام خيارين كلاهما مرّ؛ إما شراء مواد التنظيف بأسعار خيالية تفوق قدرتها، أو التعايش مع بيئة غير صحية تُهدد حياتهم.
"وزارت مراسلة "وكالة سند للأنباء" مخيمًا للنازحين في دير البلح وسط القطاع، حيث التقت بعدد من العائلات التي روت تحدياتها اليومية في ظل نقص مستلزمات النظافة والمياه، وما يرافق ذلك من مخاطر صحية وتأثيرات نفسية عميقة.
فهذه هبة عبيد، نازحة من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، تقول إنها تعيش معاناة مستمرة منذ عامين بسبب غياب أبسط مقومات النظافة، والتي تزداد حدتها مع ظروف العيش في الخيام.
وتصف هبة، كحال معظم أهالي غزة، افتقارها إلى مواد التنظيف الأساسية مثل "شامبو الشعر، الديتول المعقم، ومسحوق غسل الملابس أو تنظيف الأواني".
وتضيف: "الصابون إلّي ما كان أرخص منه، ما حدا قادر يشتريه ووصل سعره 40 شيكل"، مشيرة إلى أن هذا النقص يترتب عليه انتشار أمراض جلدية بين الأطفال والكبار، بالإضافة إلى أمراض معوية وأوبئة متفشية.
وتشير إلى أن طفلتها البالغة من العمر 4 سنوات تلعب في الرمل، ولا تستطيع منعها بسبب ظروف الحياة بالخيام، وتتساءل كيف يمكن تنظيف الأطفال في هذه الظروف الصعبة.
كما تلجأ "هبة" إلى استخدام الرمل والماء كبديل لغسيل الأواني لإزالة عوالق الطعام، معربة عن خوفها على صحة أطفالها: "مش طالع بإيدنا غير هيك".
أما عن ظروف النساء في المخيم تتحدث بقهر: "اضطررنا نحن النساء لتقصير شعورنا، والحلق لأطفالنا لتجنب أنواع الحشرات، وليسهل تنظيف الشعر في غياب المنظفات".
وعلى صعيد مشابه، في ظل غياب الفوط الصحية والمياه النظيفة والمراحيض الآمنة والملابس النظيفة، باتت الدورة الشهرية كابوسًا حقيقيًا للنساء والفتيات في القطاع.
وحول خصوصية النساء في تلك الفترة، تخبرنا هبة: "خلال هذه الفترة نفتقر فيها لأدنى مقومات النظافة والمياه. وتضطر كثير من النساء والفتيات للاستعاضة بقطع من القماش أو بقايا ألبسة بدلًا من الفوط الصحية، مما يزيد من معاناتهن الصحية والنفسية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للسكان، يحتاج القطاع إلى أكثر من 10 ملايين فوطة صحية شهريًا، لكن الحصار المستمر الذي يقيد دخول المساعدات، جعل هذه المستلزمات سلعة نادرة الوجود، وارتفعت أسعارها إلى 5 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، في حال وُجدت أصلًا، لتصبح خارج متناول معظم العائلات.
"كنا لا نحمل همها"..
على بعد أمتار من خيمة "هبة"، كانت تجلس السيدة دينا عودة (41 عاماً)، النازحة من حي الزيتون، لتشاركنا معاناتها التي تكاد لا تنفك عن واقع آلاف النساء في مخيمات النزوح.
استهلت "دينا" حديثها بالحديث عن انعدام الخصوصية لدى النساء في ظل الظروف الصعبة، مشيرة إلى افتقارهنّ لمواد النظافة والتعقيم التي كانت سابقاً جزءاً أساسياً من حياتها اليومية.
وتقول: "المكوث في خيام النزوح صيفاً أشبه بحرب أخرى، فلا يوجد أي متنفس بسبب التلاصق الشديد بين الخيام، بالإضافة إلى العيش على الرمال الملوثة، وهذا حال لم نكن نتخيله أبداً.
وتوضح أن خيمتها ملاصقة لخيمة الجيران من جانب، وبالقرب من "دورة مياه" خيمة أخرى، الأمر الذي يزيد من تفاقم الأوضاع الصحية، مضيفة: "الروائح الكريهة تسببت لنا بأزمات، وقلة النظافة كثرت الحشرات، ونحن الآن بين مرض وآخر".
وتفيد بارتفاع أسعار مواد التنظيف ونقصها، مستطردةً: "مستعدة أشتري مواد التنظيف حتى لو كانت أسعارها أضعاف، لكن من أين؟ كل ما هو متوفر في الأسواق تقليد وتجاري ولا يصلح لأي استخدام".
وتضرب مثلاً على ارتفاع الأسعار بقولها: "سائل الجلي الخاص بغسيل الأواني كان يُباع قبل الحرب بشيكلين فقط، أما الآن فقد وصل سعر اللتر إلى أكثر من 15 شيكلاً".
وحول خصوصية النساء، تشير "عودة" إلى انعدام المستلزمات الصحية الخاصة، مثل الفوط الصحية وأمشاط الشعر ومواد العناية بالجسم: مضيفة: "غياب هذه المواد تسبب في انتشار الحساسية وبعض الأمراض الخاصة بالنساء.
وفي خيمتها المهترئة تجلس السيدة أم خليل محمد أمام وعاء غسيل الملابس، بينما لا تجد إلا قليلاً من مسحوقٍ لا يُبدي أي فائدة، في محاولةٍ منها تنظيف ما تسببت به رمال الخيمة على ملابس أطفالها.
وتقول "محمد":" أنا أم لـ4 أطفال، أحاول الحفاظ على نظافتهم قدر المستطاع، لكن حياة الخيام أصعب من أن تُذكر"، مضيفةً:" في كل مرة أغسل فيها على يدي أشعر بالحسرة على أيام خَلَت لم أحمل فيها هم غسيل ولا مسحوق تنظيف".
وتلفت إلى أن "الصابون وإن توفر، لا يُعطي أي نتيجة مع شدة ملوحة المياه التي نغسل بها، كما تذهب أموالنا على مواد تنظيف مقلدة وغير أصلية"، متسائلة:" الواحد منا بده يلاحق أكل ولا حليب أطفال ولا مواد تنظيف، صرنا مخنوقين من جميع الجوانب".
وتشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن نحو 170 ألف امرأة وفتاة يتوقع أن يعانين من التهابات وأمراض جلدية أخرى مرتبطة بالنظافة، في ظل غياب شبه تام للرعاية الطبية، ما ينذر بمضاعفات صحية طويلة الأمد قد تترك آثارًا لا تمحى.
"نقص النظافة وتدهور البنية التحتية يفاقمان المعاناة"
بدوره يؤكد محمد أبو مغصيب مسؤول المخيم الذي زرناه، أن المخيم يضم نحو 60 أسرة، أي ما يقارب 220 فرداً، تعاني بشكل متفاقم من ظروف معيشية قاسية.
ويشير في حديثٍ مع مراسلتنا إلى أنه لم تدخل إلى المخيم قطعة صابون واحدة خلال الأشهر التسعة الماضية.
ويُبين أنّ غياب مواد التنظيف ولوازم النظافة الشخصية من الأسواق يتزامن مع حاجة المواطنين الملحة إلى التنظيف والرعاية الذاتية، خاصة في ظل النزوح والتكدس في مراكز الإيواء والخيام التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الصحية.
ولا يقتصر الوضع على نقص المواد فقط، بل يعاني المخيم من مشاكل بيئية حادة، حيث تغمر الطرقات والأسواق مياه الصرف الصحي بسبب عدم القدرة على تصريفها بشكل صحيح، بسبب الانقطاع الكامل للكهرباء ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية البديلة، ما أدى إلى تفاقم الأزمات الصحية والبيئية.
ويلفت أبو مغصيب أنّه لا توجد حفر امتصاصية أو شبكات صرف صحي لتصريف المياه العادمة، كما أن البنى التحتية مدمرة، الأمر الذي ساعد على انتشار الأوبئة والقوارض والحشرات.
ومع تدمير أو تعطل 90% من منشآت المياه والصرف الصحي في قطاع غزة، تعيش 9 من كل 10 أسر نقصًا حادًا في المياه.
وقالت "أونروا" مؤخرًا إنّ "ملايين قطع الصابون تُباع يوميًا حول العالم وتُشترى بسهولة، لكن في غزة حتى الصابون أصبح من الصعب جدًا الحصول عليه".
وأكدت أن تدفقًا منتظمًا لمستلزمات النظافة الأساسية، بما فيها الصابون والشامبو والفوط الصحية، يعد ضرورة عاجلة، مشددة على أن إيصال هذه المساعدات على نطاق واسع لمن هم بأمسّ الحاجة إليها في القطاع لا يمكن أن يتم إلا عبر الأمم المتحدة.
