في واحدة من أبشع الحروب على حرية الكلمة، تحوّلت غزة إلى ساحة تصفية مفتوحة للصحفيين، حيث باتت الكاميرا والكلمة خطرًا على "أمن إسرائيل"، وصار أصحابها أهدافًا عسكرية مشروعة.
لم تكن استشهاد الصحفيين مجرد "أضرار جانبية" كما يدّعي الاحتلال، بل جزء من نهج مدروس لقمع الرواية الفلسطينية، ومنع نقل الصورة الحقيقية من القطاع المحاصر إلى العالم.
فمنذ بداية العدوان على غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2023، استشهد أكثر من 246 صحفيًا، بعضهم استُهدف في بيته، وآخرون خلال أدائهم واجبهم المهني، ما يؤكد أن الاحتلال لم يعد تطيق وجود الشهود، ويخشى الصورة التي تفضح جرائمها أكثر من أي سلاح آخر.
ويرى مختصون أن هذا الاستهداف المتكرر لا يأتي من فراغ، بل يعكس نهجًا إسرائيليًا يسعى لتصفية "شهود الحقيقة" وتدمير الذاكرة الجمعية بالصوت والصورة، على غرار ما يُنفّذ ضد المقاومين على الأرض.
مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، يؤكد إنّ استهداف الصحفيين هو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي تكفل حماية الصحفيين كمدنيين أثناء النزاعات.
ويضيف الثوابتة في حديث لـ"وكالة سند للأنباء": "نحن أمام سياسة متكاملة لخنق الرواية الفلسطينية، وليس مجرد انتهاكات متفرقة. اغتيال 6 صحفيين في يوم واحد يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، تدل على وجود قرار استراتيجي لدى الاحتلال لإبادة كل من يوثق جرائمه".
ويؤكد أن الاحتلال يدرك تأثير الكاميرا والقلم، ويرى في أدوات العمل الصحفي "أسلحة أخلاقية وقانونية"، ولهذا يتعمد تصفيتهم، كما يصفي المقاومين.
ويشير الثوابتة إلى أن صمت المؤسسات الإعلامية الدولية تجاه قتل الصحفيين في غزة، يشكّل "تواطؤًا غير مباشر"، ويمنح الاحتلال شعورًا بالإفلات من العقاب، ما يُضعف مصداقية الصحافة العالمية.
قمع الكاميرا ..حرب الرواية
من جهته، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن استهداف الصحفيين تحولٌ في السياسة الإسرائيلية، بعد أن تسببت صور المجازر في فقدان "صورة الضحية" التي لطالما حاول الاحتلال تسويقها للغرب.
ويقول شديد لـ"وكالة سند للأنباء": "الاحتلال بات يعتبر الكاميرا جبهة قتالية بحد ذاتها، وكل صحفي ينقل الرواية الفلسطينية يُعامَل كعدو، لذا يُستهدف للردع والتخويف، ولمنع تشكّل وعي عالمي مضاد للاحتلال".
ويؤكد أن هذا السلوك ليس جديدًا، بل يأتي في إطار سياسة إسرائيلية قديمة تسعى للهيمنة على المضامين الإعلامية.
الوعي هدف الاحتلال
بدوره، يوضح أستاذ الإعلام في جامعة النجاح فريد أبو ظهير أن الاحتلال يسعى لقتل الوعي، من خلال تصفية الصحفيين، وحرمان المجتمع الفلسطيني والعالمي من المعلومة.
ويقول في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء": "الصحفي بات المصدر الأول للمعلومة من غزة، واستهدافه يعني خنق الرأي العام ومنع نقل الحقيقة. الاحتلال يدرك خطورة الكلمة والصورة على سمعته عالميًا، لذلك يُحاربها بكل الوسائل".
ويضيف أن الصحفي في غزة يُستهدف حتى لو لم يكن منخرطًا في العمل المقاوم، فقط لأنه ينقل الحقيقة للعالم.
بين العدسة والقانون..معركة لن تنتهي
قانونيًا، يؤكد أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، رائد أبو بدوية، أن الصحفيين في غزة لم يعودوا مجرد شهود على المأساة، بل باتوا في مرمى نيران مباشر، إذ تحولت استهدافاتهم من أخطاء جانبية إلى سياسة إسرائيلية معلنة.
يشرح بدوية لـ "وكالة سند للأنباء"، أن القانون الدولي الإنساني واضح: الصحفيون مدنيون وتتمتع أعمالهم بحماية كاملة كأي مدني في النزاع المسلح، واستهدافهم المتعمد يعد جريمة حرب، وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وعدة صكوك دولية أخرى.
ويشير إلى أن ما يجري ليس استثناءً، بل خطة ممنهجة لتكميم الصوت المستقل، مع تحول واضح في موقف "إسرائيل" التي لم تعد تنكر استهداف الصحفيين بل تبرره، ما يحول الجريمة من حادثة عشوائية إلى خيار سياسي–عسكري متعمد.
هذا التحول يضعف السردية الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، إذ بات من المستحيل تصوير القتل كأخطاء أو أضرار جانبية، بينما تكسب الرواية الفلسطينية زخماً أكبر بفضل تصريحات الجاني نفسه.
ويضيف بدوية أن مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة، "يونسكو"، ومراسلون بلا حدود توثق الانتهاكات، والمحكمة الجنائية الدولية لها ولاية قانونية على فلسطين منذ 2015، إلا أن الإجراءات تتوقف عند حدود البيانات، بسبب الحصانة الإسرائيلية.
ويشير بدوية إلى ازدواجية المعايير الواضحة، حيث تُطبق العقوبات بسرعة على أطراف أخرى، لكن في حالة إسرائيل يغلب الصمت أو الإدانات الخجولة، وهو موقف سياسي يقي إسرائيل من المساءلة ويمنع فتح ملفات أوسع كقضايا الاستيطان والحصار.
رغم ذلك، يرى بدوية أن ردع الاحتلال ممكن عبر الولاية القضائية العالمية التي تسمح بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب في بعض المحاكم الأوروبية، إضافة إلى قوة التوثيق المتراكم من صور وشهادات ضحايا يشكل قاعدة قوية أمام المحاكم المستقبلية.
ويختم بأن اعتراف "إسرائيل" بارتكاب هذه الجرائم ضد الصحفيين يقلب المعادلة، فكل محاولة تبرير تصبح وثيقة إدانة جديدة، وبقدر ما تحاول إسرائيل طمس الحقيقة، تعزز وضوح جريمة الحرب في الضمير العالمي.
