في الخامس من سبتمبر/ أيلول الجاري، كان المواطن أحمد عبد الفتاح شحادة، عائدًا إلى بيته في بلدة عوريف جنوب نابلس، عندما تعرض لعملية إعدام ميداني نفذها جنود الاحتلال الإسرائيلي بحقه، على حاجز "المربّعة" العسكري.
شحادة البالغ من العمر 57 عاماً، وأب لعشرة أبناء، لم يكن مطلوبا للاحتلال، ولم يكن يحمل سلاحا ناريا أو حتى أداة حادة، لكنه وقع ضحية لمزاجية الجنود واستسهالهم الضغط على الزناد، في ظل قواعد إطلاق نار تتيح لهم الإفلات من العقاب، بعد كل جريمة قتل يرتكبونها بحق الفلسطينيين.
وقال جهاد شحادة، نجل الشهيد، إنه توجه مع أشقائه إلى حاجز المربعة عقب تلقيهم نبأ استهداف والدهم، ليجدوا أن الاحتلال قد أغلق الحاجز أمام المركبات.
وأضاف: "بعد أن أخبرتهم أنني ابن الشهيد، سمحوا لي بالاقتراب وفتشوني، وبدؤوا يحققون معي، وسألوني: ما الذي فعله أبوك، فقلت لهم: أنتم يجب أن تجيبوني ماذا فعل حتى قتلتموه؟".
وأردف: "الجنود ادّعوا أنهم قتلوا أبي عن طريق الخطأ".
وأكد شحادة أن ما جرى مع والده يمكن أن يتكرر مع أي مواطن آخر طالما بقيت هذه الحواجز تحاصر المدن والقرى الفلسطينية.
بوابات وحواجز
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ينتشر في أنحاء الضفة الغربية أكثر من 900 حاجز وبوابة بكافة أشكالها وتصنيفاتها، بينها 224 حاجزا وبوابة جديدة تم نصبها وتغيير نمطها بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وتحوّل هذه الحواجز المدن والقرى بالضفة إلى سجون يتحكم الاحتلال في الدخول إليها أو الخروج منها، ما جعل المرور عبر هذه الحواجز مجازفة غير محسوبة العواقب.
ويقول مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، إن الاحتلال زود بعض هذه الحواجز والبوابات ببنادق آلية الإطلاق، وهذا ما يعكس نظرة الاحتلال للمواطن الفلسطيني باعتباره مادة قابلة للقتل والعقوبة.
وأضاف داوود، في تصريح سابق، إن الاحتلال يستخدم هذه الحواجز لفرض الإغلاق المكثف لمعاقبة الشعب الفلسطيني في أي لحظة، دون الالتفات لأي حاجات إنسانية لهؤلاء المواطنين.
خوف وعزوف
وأثرت هذه الحواجز على حركة المواطنين بين المدن والقرى؛ ليس فقط بسبب ما تشهده من اختناقات بفعل الإغلاق المتكرر والمفاجئ خلال ساعات النهار والليل، وإنما في عزوف الكثير من المواطنين عن المرور بها.
ومع تزايد أعداد الحواجز وتوحش جنود الاحتلال، باتت شريحة واسعة من المواطنين تفضل البقاء في أماكن سكنها على المرور بهذه الحواجز والتعرض للتنكيل والاحتجاز الطويل والاعتداء بالضرب أو الاستهداف بالرصاص.
المواطن أسعد عطا الله، من مدينة نابلس، مرَّ قبل نحو عام بتجربة قاسية مع حواجز الاحتلال، جعلته يتجنب المرور عبر تلك الحواجز، رغم مرور هذه المدة الطويلة.
وأوضح عطا الله لـ"وكالة سند للأنباء"، أنه وبينما كان متوجها مع عائلته بمركبته الخاصة إلى طولكرم، أوقفه جنود الاحتلال على حاجز دير شرف، وطلبوا بطاقة هويته.
وأضاف: "بينما كنت أحاول إخراج محفظتي من جيبي، إذا بالجنود يستنفرون ويمشطون بنادقهم ويصوبونها تجاهي، وكادوا يطلقون النار".
وأشار إلى أن تصرفه بهدوء ووجود أطفال ونساء داخل المركبة لم يترك مجالا للجنود لاختلاق مبررات لإطلاق النار.
حوادث يومية
ولا يكاد يمر يوم على أي حاجز من حواجز الاحتلال بالضفة الغربية دون أن يشهد حادثة تنكيل أو اعتداء أو إطلاق نار على المواطنين، فضلا عن إغلاق الحاجز في أي لحظة، بمبرر أو بدون مبرر.
الصحفي محمد أبو ثابت، المتابع لأوضاع الحواجز على مدار الساعة، أكد لـ"وكالة سند للأنباء" أن الحواجز تحولت في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب على غزة، إلى "مصائد موت" للفلسطينيين، إذ يطلق الجنود الرصاص على المدنيين بلا أي مبرر.
وقال: "بينما يقول الاحتلال إن هذه الحواجز تهدف لحفظ الأمن للمستوطنين، فإنها أصبحت بالمقابل نقاط إعدام ميداني للفلسطينيين، ووسيلة لفرض السيطرة والحصار على شعب أعزل".
وأشار أبو ثابت إلى أن خطر الموت على الحواجز لا يقف عند حد إطلاق النار، فالكثير من المرضى يتم احتجازهم لساعات وتأخير وصولهم إلى المستشفيات حتى درجة مفارقة الحياة.
ويؤكد أن الجنود الذين يتم وضعهم على الحواجز يبدون درجة مفرطة من العدوانية والسادية، ويمارسون التنكيل والإذلال بشكل يومي.
