الواقع الإسرائيلي يكشف هشاشة غير مسبوقة، بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن نموذج "سوبر-إسبارتا"، محاولة لتقديم الاحتلال كدولة مكتفية ذاتيًا اقتصاديًا وعسكريًا في مواجهة عزلة دولية متصاعدة، يعكس هذا الإعلان إدراك الحكومة الإسرائيلية أن الحرب على غزة لم تقتصر على الصراع العسكري، بل أطلقت سلسلة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تهدد استقرار "إسرائيل" داخليًا وتضعف موقعها دوليًا.
ويقوم نموذج "سوبر-إسبارتا" على تعزيز الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الحيوية، وزيادة الاستقلالية الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على المساعدات أو العلاقات الخارجية، لكنه يظل في جوهره شعارًا سياسيًا يعكس الطموح الإسرائيلي أكثر من كونه واقعًا ملموسًا، ويكشف عن الفجوة بين الطموح والقدرة الفعلية في ظل الأزمات المتلاحقة.
وتمثل العزلة الاقتصادية المعلنة انعكاسًا مباشرًا لتداعيات المقاطعات الدولية، وتراجع الدعم الخارجي في بعض القطاعات الحيوية، مع تأثير واضح على الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والتجارة الاستراتيجية، بالإضافة إلى أزمة في القطاعات الأساسية من التعليم والصحة إلى الزراعة، يعكس هشاشة المجتمع الإسرائيلي الداخلي، ويؤكد محدودية قدرة الدولة على الصمود أمام الضغوط المتزامنة.
ولا يُمكن قراءة تصريحات نتنياهو حول "سوبر-إسبارتا" كخطاب دعائي فحسب، بل كاعتراف ضمني بأن إسرائيل تواجه تحديات وجودية حقيقية، وأن أي تصور للقوة المعلنة لا يعكس بالضرورة استقرارها الداخلي أو اقتصادها.
"وكالة سند للأنباء" حاورت مختصين في الشؤون الإسرائيلية، لتحليل تداعيات تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو حول ما سماه نموذج "سوبر-إسبارتا"، في ظل العزلة الاقتصادية المتصاعدة التي تواجهها إسرائيل، مؤكدين أن التصريح لا يمثل مجرد خطاب دعائي، بل يعكس واقعًا اقتصاديًا حقيقيًا يعصف بالمجتمع الإسرائيلي ويضع قيودًا على قدرة الدولة على الاستمرار في سياساتها العسكرية في غزة.
"تهديد لإسرائيل"..
يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت إن تصريحات نتنياهو الأخيرة ليست مجرد دعاية إعلامية، بل مؤشر على خطر استراتيجي حقيقي يهدد إسرائيل على المستوى الاقتصادي والسياسي.
ويبرز "شلحت" أن الحرب المستمرة على غزة منذ عامين، وما نتج عنها من خسائر جسيمة، لم تعد مجرد صراع عسكري محدود بل تحولت إلى أزمة متشابكة تؤثر على الاقتصاد الداخلي والخارج الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن تصريحات نتنياهو تعكس وعيه بهذا الواقع المتفاقم.
ويؤكد "شلحت" أن ما يميز هذه المرحلة هو طبيعة الحرب غير المسبوقة، ليس فقط لطول مدتها ولكن لتأثيرها العميق على المجتمع الإسرائيلي، اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، ما قد يشكل تحولًا استراتيجيًّا في مسار الدولة على المدى المتوسط.
ويشير إلى أن إسرائيل، التي اعتادت على حروب قصيرة مع خسائر محدودة، تواجه اليوم تحديات جديدة تتعلق بقدرتها على الصمود الداخلي والاعتماد على الدعم الخارجي.
ويؤكد "ضيف سند" أن المقاطعات الاقتصادية المتزايدة، خاصة المتعلقة بتوريد الأسلحة والمنتجات التجارية، قد تمثل تهديداً حقيقياً للبنية الاقتصادية لإسرائيل.
ويشير إلى أن هذا الملف، الذي بدأ يتواتر في التقارير الدولية، يمثل أحد أبرز المستجدات في الحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثرها حساسية بالنسبة لاستمرار الدولة في سياق الصراع الإقليمي والدولي.
ويزيد "شلحت" أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا في توازنها الاقتصادي والأمني، ويعتبر أن الدعم الأمريكي شبه المطلق حاليًّا يمنح إسرائيل هامشًا للتعامل مع الضغوط الدولية، لكنه ليس مضمونًا إلى الأبد.
ويضيف أن هذا الواقع يفرض على صناع القرار الإسرائيلي التفكير في مسارات بديلة لمواجهة أي تغير في الموقف الأمريكي أو الضغوط الغربية المتزايدة.
"تغييرات إستراتيجية"..
إلى ذلك، يقول المختص في الشؤون الإسرائيلية عمر جعارة إن "طوفان الأقصى" ألحق آثارًا متعددة بكل مجالات الحياة في إسرائيل، مبيّنًا تصريحات نتنياهو حول رغبته في جعل إسرائيل دولة أعظم من إسبرطة وأثينا، تعكس صعوبة الربط بين الديمقراطية والعمليات العسكرية في الضفة وغزة.
ويضيف "جعارة" أن القتل الواسع للمدنيين في قطاع غزة أدى إلى اتهامات إسرائيلية ودولية تتعلق بما يمكن وصفه بـ”التطهير العرقي”، حتى من قبل بعض القادة الإسرائيليين المعروفين مثل موشيه أيلون وفليدمان، ما يوضح حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تواجهها إسرائيل.
ويؤكد "جعارة" أن نتنياهو لا يستطيع الشعور بالانتصار إلا عبر التهجير والمجازر الواسعة، بما فيها قتل الأطفال والنساء المدنيين، موضحًا أن هذا الواقع العسكري ينعكس مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي.
ويشير إلى تصريحات مدير البنك المركزي الإسرائيلي وعدد من الخبراء الاقتصاديين بأن الاقتصاد لا يستطيع الصمود في ظل الوضع الراهن، مع غلاء هائل في أسعار السلع ونقص في المنتجات الأساسية، مثل الحليب والمنتجات الزراعية، بسبب نقص الأيدي العاملة والموارد البشرية.
ويؤكد "جعارة" أن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه انهيارًا تدريجيًّا نتيجة هذه المعطيات، لافتًا أن نقص المعلمين والكوادر في التعليم، والعجز في مجالات الطب والهايتك والزراعة، أدّى إلى تكديس الصفوف وجمع المعلمين، في حين غادر أكثر من 83 ألف موظف متخصص إسرائيل بلا رجعة، ما يزيد من أزمة الموارد البشرية ويضعف قدرة الدولة على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية.
ويبيّن ضيفنا أن إسرائيل تواجه نقصًا كبيرًا في الجنود والقدرات العسكرية الحقيقية، حيث يشير إلى صعوبة تجنيد العدد المطلوب من الجنود رغم الأرقام الرسمية التي يعلنها الإعلام الإسرائيلي.
ويؤكد "جعارة" أن إسرائيل تعيش عزلة تاريخية على المستوى الدولي، بسبب سياساتها العسكرية المستمرة، مع استمرار الاحتجاج العالمي والاعتراف بدولة فلسطينية من قبل دول أوروبية كبرى، مضيفًا هذا التسونامي من الضغوط والكراهية الدولية يؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على إسرائيل، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد وغلاء الأسعار، ويضعف قدرة الحكومة على تحقيق انتصار ملموس كما وعد نتنياهو مراراً.
ويرى "جعارة" أن الخلافات بين المستوى العسكري والسياسي في إسرائيل تتفاقم في ظل هذه الأزمة الاقتصادية والعزلة الدولية، مؤكدًا أن نتنياهو لم ينجح في قيادة الدولة على المستويات الاقتصادية والزراعية والحربية خلال سنتين من الحرب.
