قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن وحشية حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة تتجاوز قتل المدنيين وتدمير البنى التحتية لتصل إلى ما يمكن وصفه بـالإبادة البيئية عبر عملية منهجية تستهدف الأرض، والمياه، والمحاصيل، وكل وسيلة حياة متبقية لسكان القطاع.
وأبرزت الصحيفة أنه ما يبدو في لقطات الانهيار العمراني عارياً وبشاعته، يخفي وراءه مشهداً آخر أقل وضوحاً لكنه بنفس القدر من الرعب: تحويل أرض كانت قادرة على إطعام ملايين إلى رياح وركام وتربة ملوَّثة لا تسمح بنمو شيء حي.
وأشارت إلى أنه قبل بدء حرب الإبادة كانت نحو 40% من أراضي غزة مزروعة وتعتمد بشكل كبير على منتوجاتها المحلية من الخضراوات والزيتون والدواجن والحليب. كانت الضفة الساحلية المكتظة تعيش من مواردها بدرجة من الاكتفاء الذاتي.
أما اليوم، حسبما أفادت الأمم المتحدة، لا تبقى سوى حوالي 1.5% من الأراضي الزراعية صالحة وغير متضررة — ما يقابل نحو 200 هكتار فقط لتغذية أكثر من مليوني إنسان.
وأكدت الصحيفة أن هذا الانهيار في القدرات الإنتاجية لا يُفسَّر فقط بالقصف المباشر للمنازل والمزارع؛ بل بأفعال مُنظمة: هدم الدفيئات، اقتلاع البساتين، جرّ المحاصيل، تسوية التربة، ورشّ مبيدات أعشاب من الجو.
مشروع استراتيجي للإبادة الجماعية
اعتبرت الصحيفة أن التحويل الشامل لمناطق زراعية خصبة إلى ركام ومناطق ملوثة لا يمكن تفسيره كإجراء عسكري محدود؛ بل يبدو كمشروع استراتيجي لقطع صلة الناس بأرضهم وتجريدهم من مواردهم الاقتصادية والرمزية على حد سواء.
ولفتت إلى أن شجرة الزيتون، التي تشكل نحو 14% من الاقتصاد الفلسطيني وتمثل ركيزة رمزية لا تقل أهمية عن قيمتها المادية، كانت هدفاً متكرراً لسياسات تقضّ مضاجع الصمود.
والأضرار ليست محلية فحسب؛ هي بيئية وصحية ممتدة. انهيار محطات معالجة مياه الصرف أدّى إلى فيضانات للصرف الخام في التربة والمياه الجوفية والساحلية، ما ينذر بتسميم مصادر الشرب وثروات الصيد لسنوات قادمة.
وتشير تقارير إلى أن الخزان الجوفي الساحلي مهدد بالتملح بعد عمليات سكب مياه البحر داخل أنفاق تفتيشية، ومع تجاوز حد التحمل يصبح الخزان غير صالح للاستخدام، ما يحرم أجيالًا كاملة من إمكانية الحصول على مياه آمنة.
كمية الأنقاض والملوثات تشكل كارثة مستقلة
يقدّر برنامج أممي متوسط الأنقاض بنحو 107 كيلوغرامًا لكل متر مربع من مساحة غزة، وأن مخلوط الحطام يحتوي على أسبستوس، ذخائر غير منفجرة، وبقايا أسلحة تحتوي معادن سامة مثل الرصاص والزئبق واليوروبيوم المنضب.
وهناك تقارير محلية وموثوقة عن استعمال الفوسفور الأبيض، سلاح يترك تلوثًا كيميائيًا حراريًا واسع النطاق، إضافة إلى أدلة على إطلاق سحب دخان سامة من مكبات نفايات محترقة أو مغطاة بالركام.
بموازاة ذلك فإن استنشاق الغبار والغازات السامة يفاقم أمراض الجهاز التنفسي ويؤدي إلى حالات تسمم مزمنة، في حين أن انهيار الخدمات الصحية يزيد من معاناة المصابين ويحد من قدرة النظام الصحي على الاستجابة.
أما البعد الكربوني فبلا مبالغة هائل: الانبعاثات الناتجة عن العمليات الحربية، ومن ثم إعادة الإعمار المحتملة، تُقارب انبعاثات دولة متوسطة الحجم — ما يضع بُعدًا مناخيًا على مسؤولية مرتكبي هذا الدمار.هل يمكن أن تُصنّف هذه الأفعال كجريمة دولية؟ ثمة جدل مستمر حول مصطلح «الإبادة البيئية» أو ecocide؛ لكنه من الناحية القانونية الواقعية ثمة سُبل لربط تدمير النظم البيئية بحقوق الإنسان وجرائم الحرب. يشير نصّ الاتفاقية الجنائية الدولية إلى جرائم ضد البيئة في سياقات واسعة، ويمكن، إذا جمعت الأدلة وأُثبت النظامية والنية، أن تُوضع مثل هذه الأعمال في إطار الجرائم الدولية المصنفة ضمن جناية أو جرائم ضد الإنسانية أو كعنصر مساعد في أدلة الإبادة الجماعية.
محاولة اقتلاع الشعب من أرضه
أكدت الغارديان أن ما يحدث في غزة ليس مجرد أثر جانبي للحرب. إنه جزء من استراتيجية أوسع تهدف، عمليًا، إلى اقتلاع شعب من أرضه عبر تدمير سبل عيشه وموارده الطبيعية.
وشددت على أنه من دون مساءلة دولية جادة وتحقيقات مستقلة توثّق الأدلة البيئية والجنائية، ستبقى التكاليف البشرية والبيئية تدفعها أجيالٌ قادمة، وربما إلى حد لا رجعة فيه. إعادة الإعمار لن تعيد التربة الخصبة أو الأنهار الجوفية الملوثة أو أشجار الزيتون التي قرونٌ من التاريخ ربطت بين الناس والأرض، ولا يمكن أن تُعوّض الخسارة الوجودية لبيئةٍ مهدورة عمداً.
ووجهت الصحيفة نداء عاجل للمجتمع الدولي: ليس فقط لحماية المدنيين بل لحماية الأرض ذاتها — لأن حماية البيئة في حالات النزاع ليست رفاهية بيئية، بل ضرورة بقاء إنسانية. والمساءلة هنا ليست تقنية فحسب؛ إنها شرط أساسي لأي احتمال لعودة غزة إلى حياة قابلة للاستمرار.
