أكدت صحيفة الغارديان البريطانية أن الحكومة الإسرائيلية تختلق الذرائع لإبقاء عدوانها مستمرا على قطاع غزة، محذرة من أن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في القطاع لا يزال مجرد تهدئة مؤقتة قبل عودة الحرب في حال لم يتم فرض تنفيذ بنوده بتدخل دولي فاعل.
وبحسب الصحيفة كشفت الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة عن هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، على إثر استشهاد أكثر من 100 فلسطيني بفعل العدوان الإسرائيلي.
واعتبرت الصحيفة أن هذه التطورات تؤكد أن الاتفاق الحالي لوقف إطلقا النار لا يعد أكثر من تهدئة مؤقتة، وأن استمرار تنفيذه يواجه خطر الانهيار في غياب آليات واضحة للإنفاذ والدعم الدولي الفعّال.
وأشارت إلى أن دولة الاحتلال تبرر انتهاكاتها بما يخدم مصالحها، وهو ما يترك الغموض القائم حول هيكل وقف إطلاق النار مساحة واسعة لسوء التقدير والانتهازية، ويزيد من احتمال عودة الحرب.
وكان أُعلن وقف إطلاق النار في إطار خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة، والتي تهدف إلى إنهاء الحرب جزئيًا عبر انسحاب محدود للقوات الإسرائيلية وتبادل للأسرى. إلا أن الخطة لا تزال غير مكتملة؛ فهي تفتقر إلى جدول زمني محدد، وآليات تحقق فعّالة، ووسائل إنفاذ ملزمة للطرفين.
كما لم يتم الاتفاق على تفاصيل المرحلة الثانية، التي تشمل انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، وتشكيل إدارة تكنوقراطية في غزة، ونشر بعثة دولية لتحقيق الاستقرار، ما يجعل تنفيذ الاتفاق محفوفًا بالمخاطر.
ولفتت الصحيفة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تصر على ربط التقدم في المرحلة التالية بتسليم فصائل المقاومة لرفات الأسرى القتلى، بينما تعتبر المقاومة هذه المطالب ذريعة لإبقاء سيطرتها العسكرية.
مأساة إنسانية متفاقمة في غزة
في الوقت نفسه، يزداد التدهور الإنساني في القطاع، مع انهيار البنية التحتية الحيوية ونقص حاد في الغذاء والماء والدواء، فيما تظل قوافل المساعدات الإنسانية خاضعة للمساومات السياسية والحصار المتقطع، مما يزيد من معاناة السكان الذين مروا بعامين كاملين من الحرب.
وعلى صعيد الضفة الغربية، استمر العدوان والاشتباكات بين القوات الإسرائيلية والمستوطنين من جهة والفلسطينيين من جهة أخرى، في تصعيد موازٍ يوضح محدودية نطاق وقف إطلاق النار، ويبرز سهولة امتداد النزاع مجددًا في حال أي استفزاز أو خرق للاتفاق.
وقد حاولت إدارة ترامب تعزيز الهدنة عبر زيارات رفيعة المستوى من جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وجيه دي فانس، إضافة إلى نشر 200 جندي في مركز مراقبة لمتابعة الوضع.
ورغم هذه الجهود، يفتقر مركز المراقبة إلى الصلاحية الكاملة للتحقق من الامتثال أو فرض العقوبات، بينما يظل دور الوساطة المصرية والقطرية محدودًا في ظل الغموض القائم حول آليات التنفيذ.
وكدت الغارديان أن ما هو قائم اليوم ليس خطة سلام حقيقية، بل نمط تهدئة مؤقت، وأنه بدون آليات فعّالة لمنع الانتهاكات أو فرض عقوبات، تظل الهدنة عرضة للانهيار مع أي استفزاز، وكل تبادل لإطلاق النار أو اتهام غير مؤكّد يعمّق من انعدام الثقة ويحد من إمكانية التوصل إلى تسوية شاملة.
وتعالج خطة ترامب، وفق محللين، أعراض الأزمة بدلًا من جذورها. غزة تعاني انقسامًا سياسيًا عميقًا، وتدميرًا اقتصاديًا، وتدهورًا اجتماعيًا، بينما دولة الاحتلال، القادرة على فرض قوتها العسكرية، تعتبر وقف إطلاق النار مجرد توقف تكتيكي مؤقت وليس تغييرًا استراتيجيًا ذا معنى.
ولكي يتحول وقف إطلاق النار إلى إطار مستدام، يجب أن يدعمه المجتمع الدولي بشكل ملموس، وليس فقط عبر ضغط أمريكي محدود وخطوط عريضة مبهمة.
ويجب على الأطراف الإقليمية والدولية وضع آليات مراقبة مستقلة، وجداول زمنية واضحة لإعادة الإعمار والانسحاب، وضمانات ملزمة للأمن ووصول المساعدات الإنسانية.
وبدون هذه العناصر، سيظل الوضع متأرجحًا بين دورات من الهدوء والتصعيد، فاتحًا الطريق في نهاية المطاف لجولة جديدة من الحرب.
