تواصل موجة العنف والجريمة حصد مزيد من الأرواح في صفوف الفلسطينيين بالداخل المحتل عام 1948، بدعمٍ حكومي إسرائيلي مقصود.
ولم تتأخر صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن اتهام وزير الأمن الداخلي المتطرف إيتمار بن غفير، في ملف الجريمة المتصاعد لدى فلسطينيي الداخل، معتبرة أنه يتفاخر ببلوغ الجريمة أعلى معدلاتها وطلبت بإقالته على الفور.
وقالت الصحيفة إن معدلات الجريمة والعنف في المجتمع العربي تستمر في الارتفاع منذ تولي بن غفير وزارة الأمن القومي، حيث ازدادت جرائم القتل وانخفض الأمن الشخصي.
فقدان الأمن والأمل
ويشهد المجتمع الفلسطيني بالداخل، وفق الصحيفة، انهيارًا كاملاً في الشعور بالأمن، لدرجة أن المواطنين فقدوا الأمل، حيث لا يزال سفك الدماء مستمراً، والأسلحة غير القانونية تتدفق، والمنظمات الإجرامية المسلحة وغير المقيدة تسيطر على الشوارع.
وترى هيئة تحرير هآرتس أنه ليس مجرد فشل ضابط شرطة أو آخر، بل فشل منظومة كاملة، نابع من فوضى سياسية وعلى رأس هذا النظام وزير أمن وطني عنصري، يُفضل الشعارات وتعيين المقربين والظهور الإعلامي، على معالجة مشاكل الجرائم.
وشارك الآلاف في تظاهرة كبيرة في مدينة عرابة بالداخل المحتل السبت الماضي احتجاجًا على استفحال جرائم القتل والتي كان من بين ضحاياها 9 مواطنين من المدينة، منذ مطلع العام الجاري.

إحصائيات خطيرة
وأظهرت إحصائيات متقاربة، مقتل 67 فلسطينيًا في الداخل خلال عام 2017، وعام 2018 مقتل 58 شخصًا بينهم 13 امرأة.
وفي عام 2019 بلغ عدد القتلى 93 بينهم 11 امرأة، بينما قُتل 99 فلسطينيًا بينهم 16 امرأة في سلسلة جرائم وقعت عام 2020.
وشهد العام 2021 مقتل 127 فلسطينيًا، بينما سُجّل في عام 2022 مقتل 109 بينهم 12 سيدة.
وكشف تقرير جمعية "الشباب العرب – بلدنا"، أن 58 بالمئة من ضحايا جرائم القتل في عام 2022 كانوا من الشبان الذين لم تتجاوز أعمارهم 30 عامًا.
ووفق نشرة أخبار الكنيست الإسرائيلي، فإن معطيات الجريمة في المجتمع العربي سجلت 230 قتيلا في عام 2024 و29 قتيلا منذ بداية العام، وفي عام 2024 تم فك لغز 15% من جرائم القتل ومعنى ذلك أن 85% من هؤلاء الأشخاص يتجولون بحرية.
وأصدر مركز أمان "المركز العربي للمجتمع الآمن"، تقريره حول ضحايا العنف والجريمة في المجتمع العربي في إسرائيل من بداية العام 2025 حتى نهاية أكتوبر الماضي، حيث أظهرت المعطيات تصاعدًا حادًا ومستمرًا للجريمة للعام الثالث على التوالي.
ويبين التقرير إجمالي عدد ضحايا حوادث العنف والإجرام 227 ضحية، منهم 208 ذكور (91.6%) و19 إناث (8.4%). ويُعد هذا الرقم الأعلى تاريخيًا مقارنة بالأعوام السابقة، إذ بلغ عدد الضحايا حتى نهاية أكتوبر: 108 ضحايا عام 2021، 91 ضحية عام 2022، 211 ضحية عام 2023، و210 ضحايا عام 2024.
تغول المنظمات الإجرامية
وأوضح التقرير أن ثلثي الجرائم (66%) كانت ذات خلفية جنائية مباشرة، ما يعكس تغوّل منظمات الإجرام وغياب الردع الفاعل، فيما استهدفت الجريمة بشكل أكبر الفئة العمرية بين 25 و39 سنة بنسبة 55%، أي فئة الشباب في ذروة حياتهم العملية والاجتماعية.
وأشار إلى أن السلاح الناري استخدم في حوالي 87% من حالات القتل، مما يعكس انتشار الأسلحة غير المرخّصة وفشل آليات الضبط. كما تصدرت منطقة الشمال حالات العنف بنسبة 48.5%، تليها منطقة المركز (31.2%)، ثم النقب (15%).
وشهد شهر أكتوبر وحده 32 ضحية بمعدل ضحية كل أقل من 24 ساعة، وهو الرقم الأعلى شهريًا منذ بداية رصد هذه البيانات. ولفت التقرير إلى تساوي الجرائم في أكتوبر بين خلفيات اجتماعية وجنائية (16 حالة لكل نوع)، ما يعكس حجم الأزمة المجتمعية الحالية.
تقاعس الشرطة
وأشار التقرير إلى أن هذه المعطيات تشكل إدانة واضحة للحكومة الحالية ولوزارة الأمن القومي وأجهزة الدولة وعلى رأسها الشرطة، بسبب تقاعسها وفشلها في أداء واجبها في حماية المجتمع العربي من تفاقم العنف والجريمة.
ووصف نائب رئيس بلدية راهط في النقب عامر الهزيل، جرائم القتل بأنها أشبه بالحرب الأهلية، تكشف عنها الأرقام والإحصائيات الناجمة عن جرائم القتل غير المسبوقة ومؤشرات تصاعدها.
وعزا الهزيل الأسباب الى ما اعتبره غابة السلاح تحت عيون الدولة ومؤسساتها القادرة على ضبطها والوصول لمواقع السلاح الذي قدر عدده بنصف مليون قطعة سلاح متنوعة، مع غياب لتنفيذ القانون وغض الطرف عن الانفلات الأمني ورموزه ولا رادع ولا مدافع وهو ما حول المجتمع لفاقد الثقة بالشرطة والدولة.
هجرة داخلية
ويضيف في حديثه لـ وكالة سند للأنباء: هناك تغيير وتحولات اجتماعية عميقة وفلتان أخلاقي رافقه انهيار البنية الاجتماعية وسلطة الكبار المؤثرين أدى لظهور عصابات الاجرام التي تقود المرحلة وترهب الشارع.
وكشف الهزيل عن هجرة داخلية من فلسطينيي النقب لجغرافيا الضفة القريبة والبناء والسكن فيها، بسبب فقدان الأمن والأمان وانعطافة حادة في توفر المساكن للأزواج الشابة، فيما يقطن راهط 85 آلف فلسطيني غالبيتهم دون سن ال 18 على مساحة لا تزيد عن 42 ألف دونم.
وفي مدينة عرابة، يقول رئيس بلديتها أحمد نصار إن عدد الضحايا للجريمة خلال العام الجاري بلغ تسعة، وهو رقم خطير مقابل الأعوام السابقة وترك آثاره على المجتمع المحلي بالإحباط وفقدان الأمان وحدا بالبلدية والمسؤولين ولجنة المتابعة العربية العليا لتنظيم اضراب شامل وتظاهرة كبرى السبت الماضي.
ويعتقد نصار أن تقاعس الحكومة الإسرائيلية والجهات الأمنية، وسياسة بن غفير، هي السبب خلف تصاعد عمليات القتل.
وكشف نصار في حديثه لـ وكالة سند للأنباء عن مخاطر حقيقية على تماسك المجتمع العربي والمحلي في تفكير الشباب بالتوجه للسكن في البلدات والمدن المختلطة أو الهجرة خارج الوطن بحثاً عن الأمن والأمان الفردي والجمعي.
