تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان واحدة من أكثر المراحل قسوة منذ عقود، حيث تتشابك الأزمة الاقتصادية مع تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، والتوترات الأمنية مع الضغوط الاجتماعية، لتشكل واقعًا خانقًا يثقل كاهل أكثر من مئتي ألف لاجئ فلسطيني.
هذا الواقع لم يعد مجرد ظروف معيشية صعبة، بل أصبح بيئة هشة يستغلها الاحتلال لتمديد دائرة استهدافه للشعب الفلسطيني خارج الوطن، في سياق حرب شاملة تمارس على كل تجمع فلسطيني أينما وُجد.
جاءت المجزرة الأخيرة في مخيم عين الحلوة جنوبي لبنان قبل أيام لتكشف الوجه الأكثر خطورة لهذا الاستغلال، حيث استهدف القصف ملعبًا يرتاده الفتية والأطفال، ما أسفر عن ارتقاء 13 شهيدًا جلّهم من القاصرين، في منطقة لا تتجاوز مساحتها كيلومترًا ونصفًا ويقطنها نحو 85 ألف لاجئ.
وأكد المتحدث باسم المخيم جهاد طه أن الهجوم يكشف الوجه الإجرامي الحقيقي للعدو الذي يواصل حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في الضفة والقدس وغزة والشتات، دون استثناء أي منطقة.
وأشار طه في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" إلى أن كثافة السكان داخل المخيم تجعل أي قصف كارثيًا، مضاعفًا عدد الضحايا، معتبرًا الهجوم وصمة عار على الإنسانية.

وطالب الأمم المتحدة ووكالة "أونروا" بتحمل مسؤولياتهما الكاملة تجاه الضحايا والمجتمع الفلسطيني في المخيمات، داعيًا أيضًا الحكومة اللبنانية لاتخاذ إجراءات دبلوماسية واضحة تجاه هذه المجزرة.
وشدد على أن الهجوم يستهدف قضية اللاجئين الفلسطينيين برمتها، معلنًا أن جميع المخيمات اللبنانية الـ12 أبدت تضامنها الكامل مع أهالي عين الحلوة، في مؤشر على وحدة الموقف والتكافل الاجتماعي الفلسطيني.
أزمات مركبة
من جانبه، وصف مدير عام مؤسسة العودة الفلسطينية، ياسر علي، الوضع الفلسطيني في لبنان اليوم بأنه "غاية في الحساسية" ويقف في عنق زجاجة نتيجة تراكم عوامل خطيرة، أبرزها انسحاب الأونروا التدريجي، المراقبة الإسرائيلية عن بُعد، الأحداث الداخلية، ومطالب السلطة الفلسطينية بسحب السلاح داخل المخيمات.
وأضاف علي في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذه العوامل مجتمعة تصنع "عاصفة توتر اجتماعي" تهدد استقرار المخيمات.
وأشار علي إلى أن إدارة "أونروا" الجديدة تتواطأ ضد اللاجئين الفلسطينيين، موضحًا أن أحد الأدلة هو امتناع ألمانيا عن التصويت لتجديد ولاية الوكالة في الأمم المتحدة، ما يؤكد توجهاً نحو إضعاف الوكالة وتقليص دورها.

وأوضح أنّ التقليصات غير المسبوقة تؤثر على كل الجوانب الصحية والاجتماعية والتعليمية، مشيرًا إلى أن رموز الهوية الفلسطينية، مثل الكوفية والخريطة، باتت ممنوعة داخل مدارس الوكالة، وهو ما أدى إلى مظاهرات احتجاجية داخل المخيمات، أبرزها التي قادها الشهيد أمجد خشام قبل استهدافه.
تدهور التعليم
وفي ظل هذه التقلصات والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يظهر واقع التعليم كمؤشر واضح على حجم الأزمة داخل المخيمات. فقد توقف جزء كبير من المدارس عن العمل نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال الأحداث الأمنية، بينما يعاني الطلاب والمعلمون من كثافة صفوف مرتفعة ونقص في ساعات التدريس.
وأوضح علي أن مخيم عين الحلوة يضم 11 مدرسة، خمس منها متوقفة بالكامل، فيما تعمل الست المتبقية بنظام الدوامين في مبانٍ غير مرممة، مع ارتفاع كثافة الطلاب إلى 40–50 طالبًا لكل صف وتقليص الدوام المدرسي إلى 4 ساعات فقط.
وأضاف أن معظم المعلمين أصبحوا مياومين بلا أمان وظيفي، وتم فصل عشرة معلمين دون تعويض، بينما يضطر الطلاب إلى الالتحاق بمدارس خارج المخيم، ما يزيد العبء على العائلات.
وأشار علي أيضًا إلى أن المخيم مطوّق بجدار عازل أشبه بجدار الضفة الغربية، ويخضع لمراقبة الجيش اللبناني عند المداخل، مما يزيد الضغط المعيشي والإنساني على السكان.

انهيار صحي وإنساني
الضغط لم يتوقف عند المدارس، بل امتد إلى القطاع الصحي والإنساني داخل المخيمات، فغياب الإمكانيات الطبية الكافية، وتراجع الدعم الصحي من الأونروا، يزيد من هشاشة المجتمع ويضاعف تداعيات أي أزمة طارئة، كما حدث في المجزرة الأخيرة.
وفي هذا الإطار قال رئيس جمعية الشفاء في لبنان، مجدي كريم، إن ما شهدته المخيمات قبل يومين يشكل مجزرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن 13 شهيدًا وعدد كبير من الإصابات، عجزت المنظومة الصحية داخل المخيم عن استيعابها.
وأوضح كريم لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الإمكانيات الطبية محدودة للغاية، وأن الحالات الحرجة تُنقل خارج المخيم، فيما تُعالج الحالات الطفيفة في المراكز الطبية.
وذكر أن معظم الإصابات كانت مميتة، مضيفًا أن الضربة استهدفت المنازل والملعب القريب، ما أدى إلى عدد كبير من الضحايا دفعة واحدة.
وأشار كريم إلى تدهور الوضع الصحي والإنساني بفعل تقليص خدمات "أونروا"، حيث ألغيت صفوف ومدارس، وزادت كثافة الطلبة في الصفوف إلى نحو 200 طالب، بينما تقلص عدد المستشفيات المتعاقدة مع الوكالة.
وتابع أن موظفي "أونروا" يتعرضون لضغوط كبيرة، بما في ذلك التحقيقات والفصل، مبينًا أن المشهد العام للاجئين الفلسطينيين في لبنان ينحدر من سيئ إلى أسوأ.
كما لفت كريم إلى وضع الهلال الأحمر الفلسطيني، واصفًا قدراته التشغيلية بأنها محدودة، وأنه لا يمتلك التجهيزات أو الكادر الكافي لتقديم خدمات طبية شاملة، معتمدًا على عقود مع "أونروا" لتغطية بعض العمليات.
وحذر في ختام حديثه، من تداعيات كارثية إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو.
