تسلّط صرخة الأسيرة الصحفية فرح أبو عياش الضوء من جديد على معاناة الأسرى الصحفيين داخل سجون الاحتلال، بعدما أمضت أكثر من مئة يوم في الاعتقال، بينها خمسون يومًا في العزل الانفرادي داخل مركز تحقيق "المسكوبية".
فرح، البالغة من العمر 25 عامًا، من بلدة بيت أمر في الخليل جنوب الضفة الغربية، كانت تعمل في وكالة "تسنيم للأنباء"، ولم تتوقع أن تتحول حياتها في ليلة واحدة إلى سلسلة من مشاهد الرعب التي نقلها محاميها حسن عبادي من حيفا، بعد زيارتها في معتقل الدامون.
وتروي فرح تفاصيل اعتقالها عندما اقتحم جنود الاحتلال منزلها بشكل مفاجئ، واقتادوها إلى مستوطنة "كرمي تسور" بعد أن شدّت المجندات القيود البلاستيكية على يديها حتى انتفخ الشريان.
المسكوبية.. مشاهد قاسية من التعذيب
وتضيف في شهادتها أنّهم تركوها يومًا كاملًا والكلاب تنهش بنطالها، قبل نقلها إلى مركز "عتصيون"، حيث تمت محاولة تحييد عملها الصحفي، إذ أجبروها على إعطاء كلمة السر لهاتفها رغم تأكيدها عدم وجود ما تخفيه، وأن غالبية تقاريرها ذات طابع اجتماعي.
وفي حديثها عن فيلم الرعب الذي عاشته في "المسكوبية"، تقول فرح إنه تم نزع المنديل عن رأسها فور دخولها، وتم تقييد يديها وقدميها بقيود معدنية، بينما وُضع على كتفيها جنزير ثقيل.
وتؤكد أن عناصر فرقة "النحشون" اعتدوا عليها بالضرب، وأن مجندة أمسكتها من شعرها و"خبطت" رأسها بالحائط محاولةً إجبارها على تقبيل العلم الإسرائيلي، لكنها رفضت وتعرضت على إثر ذلك لمزيد من الضرب.
وتصف أيضاً لحظة نقلها إلى ما يسمى سجن الرملة، حيث زُجت في زنزانة تحت الأرض يغزوها الصراصير والحشرات والجرذان، وتقول: "عيّطت كل الليل.. كل جسمي ووجهي صراصير".
المحامي حسن عبادي يؤكد لـ " وكالة سند للأنباء" أن فرح تعرضت لتعذيب قاسٍ على مدار 55 يومًا، وأن ما عاشته بين الحشرات والقوارض ترك آثارًا نفسية وجسدية ما زالت واضحة على وجهها ويديها.
ويشير إلى أنها خضعت للتفتيش العاري 11 مرة، وتعرضت للدوس على رأسها وجسدها مرارًا، متابعًا أن الاحتلال تعمّد الإساءة لها كونها صحفية.
ويفيد عبادي أنّ الاحتلال يتهم صوتها الصحفي بأنه "مُحرّض" ومؤثر، لافتًا أنّه بدأ اتصالات مع مؤسسات دولية لإطلاق حملة مناصرة لها، لأن الضغط الدولي –كما يقول– يحقق تأثيرًا أكبر من الإجراءات القانونية.
عائلتها في قلق دائم ..
وتعيش عائلة أبو عياش اليوم حالة من القلق الشديد بعد رسالتها الأخيرة. والدتها مرام أبو عياش تشير إلى أنها لم تتمكن من رؤيتها سوى بضع دقائق خلال المحكمة عبر كاميرا، دون أن يسمح لها بالحديث معها.
وتقول والدتها في حديثٍ مع " وكالة سند للأنباء" إنها بدت هزيلة ومتعبة بالكاد تقوى على الوقوف.
وتؤكد أن ابنتها عضو في نقابة الصحفيين، ورغم ذلك لم تُثر قضيتها بالشكل المطلوب، ولم يتم توكيل محام لزيارتها خلال الشهور الأولى من اعتقالها، مطالبةً بوقفة حقيقية لإيصال صوت ابنتها وصوت الأسيرات داخل السجون، كما كانت فرح تصر دائمًا على نقل معاناة الناس في عملها الصحفي.
من جانبها تشير أماني سراحنة، مسؤولة الإعلام في نادي الأسير، إلى أن استهداف الصحفيين شهد تصعيدًا غير مسبوق منذ بداية الحرب على غزة، حيث ارتفعت الاعتقالات لتصل إلى 200 حالة، معظمها بتهمة "التحريض" أو عبر الاعتقال الإداري بذريعة "الملف السري".
كما تحدثت في حوارٍ مع " وكالة سند للأنباء" عن حالات إخفاء قسري لصحفيين من غزة، ووجود 38 صحفيًا معتقلين يتعرضون لذات جرائم التعذيب التي يتعرض لها بقية الأسرى، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية والاغتصاب بحق أحد الصحفيين.
وتنوّه سراحنة إلى أن الصحفيات أيضًا تعرضن للعقوبات ذاتها، ومن بينهن فرح أبو عياش.
الشهادة الأحدث جاءت من الصحفي المحرَّر عامر أبو عرفة من الخليل، الذي خرج من سجون الاحتلال قبل أيام بعد عامين من الاعتقال، ويؤكد أن معاملة الصحفيين داخل السجون لا تختلف عن بقية الأسرى، بل غالبًا ما تكون أشد قسوة، باعتبار الصحفي "مؤثرًا ومحرضًا".
ويوضح أبو عرفة في حديثه لمراسلنا أن المحاكم الإسرائيلية باتت تصدر أحكامًا غير مسبوقة بحق الصحفيين، تتراوح بين 24 و30 شهرًا بتهمة "التحريض".
ويضيف أنه تعرض للاعتقال الإداري لثمانية شهور قبل الحرب، ثم وُجهت له التهمة ذاتها في الاعتقال الأخير ليقضي 24 شهرًا.
وينتقد أبو عرفة بشدة ما وصفه بـ "تقصير" نقابة الصحفيين في إرسال محامين لزيارة المعتقلين، مؤكدًا أن زيارة المحامي هي "النافذة الوحيدة" بين الأسير وأهله.
أين النقابة؟ إمكانيات محدودة ومعيقات كبيرة
أما نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين، عمر نزال فيؤكد أن النقابة تتابع قضايا الأسرى الصحفيين قدر إمكانياتها، رغم التضييقات ومنع الزيارات من قبل الاحتلال.
ويشير نزال لـ "وكالة سند للأنباء" إلى الاتفاق مع مؤسسات الأسرى لتوكيل أربعة محامين لمتابعة الملفات والدفاع أمام المحاكم الإسرائيلية، إلا أن الاحتلال يرفض منذ شهور السماح بزيارة أحد الصحفيين المعتقلين رغم تدهور وضعه الصحي.
ويضيف أنّ النقابة وجّهت رسائل احتجاج ومطالبات للاتحاد الدولي للصحفيين ومؤسسات دولية أخرى، إضافة إلى عقد مؤتمرات وإصدار بيانات دورية حول أوضاع الصحفيين المعتقلين، لكن دون تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن.
