لا تستثني جماعات المستوطنين المتطرفة، مثل "فتية التلال"، أي منطقة من اعتداءاتها الوحشية دون رحمة أو تمييز، بغض النظر عن ما إذا كانت المنطقة تشكل "خطرًا" على الاحتلال أو المستوطنين، أو عن انتماء سكانها أو ديانتهم.
إلى الشمال الشرقي من محافظة رام الله، تقع الطيبة، البلدة الفلسطينية الوحيدة والأخيرة التي يعتنق جميع سكانها الديانة المسيحية، ويبلغ عددهم نحو 1200 نسمة، من أصل 15 ألف نسمة من أهالي البلدة داخل فلسطين وخارجها.
ففي الآونة الأخيرة، تصاعدت اعتداءات المستوطنين على الطيبة، البلدة التي تمتد أراضيها على 24 دونمًا، بينما يسيطر الاحتلال على نحو 18 ألف دونم منها. وتقع البلدة بمحاذاة منطقة الأغوار، ما يزيد من أطماع المستوطنين للاستيلاء على ما تبقى من أراضيها، في محاولة لفرض واقع استيطاني جديد، رغم تمسك الأهالي بأرضهم وهويتهم.
وبحسب تصنيفات اتفاق أوسلو، تقع نحو 80% من أراضي الطيبة ضمن المناطق المصنفة (ج)، الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية، فيما تقع بقية الأراضي ضمن المناطق المصنفة (ب)، تحت الإدارة الفلسطينية جزئيًا.
وقبل عدة أيام، أضرم مستوطنون النار في مركبتين لعائلة من الطيبة، وخطّوا شعارات عنصرية على الجدران، إلا أن الأهالي تصدوا لهم وأجبروا المعتدين على الانسحاب.
ويعد هذا الاعتداء السادس الذي تتعرض له البلدة، تزامنًا مع استعداداتها لعيد الميلاد وافتتاح سوق ميلادي بمشاركة شعبية ورسمية.
ثلاثة أرباع الأراضي محرّمة على أصحابها
يمنع الاحتلال أهالي الطيبة من الوصول إلى نحو 18 ألف دونم من أراضيهم بشكل كامل، بما في ذلك حقول الزيتون التي يُحرم السكان من قطفها منذ ثلاث سنوات، وفق رئيس بلدية الطيبة، سليمان خورية.
ويضيف خورية في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء" أن اعتداءات المستوطنين على الطيبة تشبه ما تتعرض له القرى الفلسطينية الأخرى، لكنها أشدّ بسبب موقع البلدة القريب من الأغوار، حيث تمارس قوات الاحتلال والمستوطنون اعتداءات مضاعفة نتيجة الأطماع في المنطقة.
ويشير خورية إلى أبرز الانتهاكات التي تتعرض لها البلدة، وتشمل اقتحامات متكررة للمستوطنين، حرق المنازل والمركبات، سرقة الممتلكات، والاستيلاء على أراضي المزارعين، ما يحرم السكان من مصدر رزقهم.
وأقام المستوطنون ثلاث بؤر استيطانية على أراضي البلدة، ما ضاعف معاناة السكان.
ويؤكد خورية: "ينطلق المستوطنون من هذه البؤر والمستوطنات المحيطة لشن اعتداءاتهم ضد البلدة، ما انعكس بشكل مباشر على حياة السكان".
ويُتابع خورية موضحًا: "خسر المزارع مصدر رزقه من أرضه، وفقد الشباب فرص العمل داخل فلسطين بسبب منعهم من الحصول على تصاريح العمل، ما أدى بشكل مباشر إلى تفاقم معدلات الفقر في البلدة".
انتهاك لأماكن العبادة
شهدت الطيبة خلال الشهور الماضية اعتداءات على أماكن العبادة، حيث اقتحم مستوطنون كنيسة أثرية وحاولوا إحراقها، قبل أن يتدخل الأهالي لإخماد الحريق ومنع امتداده.
ويلفت خورية إلى أن استباحة الأماكن المقدسة لم تتوقف عند هذا الحد، قائلاً: "حاول المستوطنون إحراق كنيسة الخضر الأثرية التي تعود للقرن الرابع، وتعمدوا أيضًا إدخال أبقارهم ومواشيهم داخل الكنيسة".
ورغم هذه الاعتداءات المتكررة، يؤكد خورية تمسك أبناء البلدة بأرضهم: "سنصبر على هذه الممارسات ونبقى ثابتين، هذه بلدنا وأرضنا، لا مكان لنا نذهب إليه، وسنظل هنا رغم كل ما نتعرض له".
قضية واحدة ومعاناة واحدة
من جهته، يؤكد راعي كنيسة اللاتين في بلدة الطيبة، الأب بشار فواضلة، أن معاناة البلدة لا تختلف عن ما تعيشه باقي البلدات الفلسطينية الحدودية الواقعة في مناطق (ج)، خاصة مع انتشار البؤر الاستيطانية التي تنشط فيها مجموعات "فتية التلال" المتطرفة.
ويقول فواضلة لـ"وكالة سند للأنباء": "نعاني كما تعاني باقي البلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، قضيتنا ومعاناتنا واحدة، والصعوبات التي نواجهها جراء هجمات المستوطنين تتكرر كما تتكرر في كل المناطق بالضفة".
ويشير إلى أن الانتهاكات تشكل عبئًا كبيرًا على الأهالي، وأن البلدة تشهد هجرة مستمرة؛ حيث غادرت 13 عائلة خلال العامين الماضيين.
ويضيف: "بالمقابل، هناك عدد كبير من العائلات تؤكد تمسكها بأرضها وتقول: لا يوجد لدينا مكان بالعالم إلا الطيبة".
ويشرح الأب فواضلة أن الاعتداءات التي يشنها المستوطنون "ممنهجة ومدروسة"، قائلاً: "بدأت هذه الاعتداءات بالتصاعد منذ يونيو/ حزيران الماضي، وتشمل الاستيلاء على الأراضي، ونصب الخيام والكرفانات لإقامة بؤر استيطانية، وتدمير الحياة الزراعية عبر الرعي الجائر، واقتلاع أشجار الزيتون القديمة والجديدة، وتخريب المحاصيل".
ويتابع: "كما يتعمد المستوطنون حرق الأراضي الفارغة، ثم يأتون لإخماد الحريق ويدّعون ملكيتها، إلى جانب حرق المركبات وكتابة شعارات عنصرية لتهديد السكان".
ويؤكد فواضلة أن الهدف النهائي لجماعات المستوطنين هو دفع السكان للرحيل عبر نشر الخوف وانعدام الأمان والحماية والاستقرار، مشيرًا إلى أن كل هذه الاعتداءات تتم تحت حماية جنود الاحتلال.
فرحة رغم الألم
مع حلول أعياد الميلاد، يتمسّك مسيحيو فلسطين بالأمل، فرغم أن احتفالات العامين الماضيين اقتصرّت على أداء الطقوس والصلاة في الكنائس بسبب الحرب على قطاع غزة، يحرص الأهالي هذا العام على الاحتفال بكرامة وصمود.
ويقول الأب بشار فواضلة عن احتفالات هذا العام: "مع كل ما نعيشه من صعوبات، يجب علينا أن نحتفل.. الاحتفال يعني أن نفرح ونصلي ونبقى صامدين وثابتين. رغم الألم هناك أمل، ورغم الموت هناك مجال للحياة، ورغم الظلمة هناك نور جديد يشرق علينا وعلى كل سكان فلسطين، من مهد المسيح في بيت لحم إلى كل العالم".
ويشير إلى أن عدد سكان البلدة يبلغ 15 ألف نسمة، لكن المتواجدين حاليًا لا يتجاوزون 1200 شخص، جميعهم فلسطينيون مسيحيون، مؤكّدًا أن هذا ليس بدافع التمييز، بل فخر بهوية البلدة التي تعيش بمحبة وأخوّة مع المسلمين منذ آلاف السنين.
