أعادت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال زيارته الأخيرة إلى النقب، تسليط الضوء على السياسات الإسرائيلية التاريخية تجاه المنطقة، والتي تنطلق من رؤية وضعها أول رئيس لكيان الاحتلال الإسرائيلي دافيد بن غوريون، باعتبار النقب ركيزة أساسية في الأمن القومي وعمقًا جغرافيًا لا غنى عنه لاستمرار "الدولة".
وتأتي تصريحات نتنياهو، التي أعلن فيها إطلاق ما وصفه بـ"مسار قومي" لإعادة فرض ما سماه "الحوكمة في النقب"، بما يشمل تكثيف الاستيطان اليهودي وتشديد القبضة الأمنية، في سياق سياسي وأمني متوتر، يتزامن مع تصاعد الخطاب التحريضي والمشاريع الاستيطانية الرامية إلى إحكام السيطرة على الأرض والإنسان في النقب.
وادعى مكتب نتنياهو أن الجولة التي نفذها رئيس حكومة الاحتلال بمشاركة وزير الجيش يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب مسؤولين في الشرطة والجيش و"الشاباك" ومديري عدد من الوزارات، تأتي في إطار "جهد قومي متعدد الأبعاد" يهدف إلى "تعزيز السيطرة الحكومية، وتوسيع الاستيطان، ومكافحة الجريمة في المجتمع العربي".
وتأتي جولة نتنياهو في ظل تصعيد متواصل يشهده النقب المحتل، في ظل حملات مكثفة لشرطة الاحتلال، وعمليات هدم منازل، واعتقالات في القرى العربية، بذريعة "فرض القانون والنظام".
وأظهرت تصريحات نتنياهو، خلال زيارته إلى النقب مؤخرًا، ارتباطًا وثيقًا برؤية دافيد بن غوريون، والتي تعتبر صحراء النقب عمقًا جغرافيًا استراتيجيًا ومفتاحًا لبقاء "الدولة اليهودية".
وتتلخص رؤية بن غوريون في مقولته الشهيرة: "إذا لم ندافع عن النقب فلن تكون هناك تل أبيب"، إذ أكد في خطاب ألقاه أمام اللجنة الصهيونية في الثالث من فبراير/شباط 1948، أن الاستيطان في النقب يمثل الخطوة الأولى وخط الدفاع الأول عن وجود تل أبيب، محذرًا من أن خروج النقب عن السيطرة سيهدد وجودها.
وأبدى بن غوريون اهتمامًا خاصًا وأولوية بصحراء النقب، واعتبرها حجر الزاوية في الأمن القومي الإسرائيلي، لكونها تشكّل أكثر من نصف مساحة "الدولة"، وتوفر عمقًا جغرافيًا استراتيجيًا بين الجنوب والوسط، فضلًا عن كونها أرضًا صالحة للاستصلاح الزراعي والمشاريع التنموية، ومفتاحًا لبقاء الدولة الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، واصل نتنياهو التأكيد على رؤية بن غوريون، مشددًا على الاستيطان بمقاييس غير مسبوقة، وتنظيم ما أسماه "أوضاع السكان البدو"، معلنًا أن حكومته ستطلق مشروعًا وطنيًا لتحقيق هذه الأهداف.
وتقع صحراء النقب في الجزء الجنوبي من فلسطين التاريخية، وتمثّل حيزًا مثلثًا يمتد جنوبًا من الخليل، وتبلغ قاعدته من رفح على البحر المتوسط حتى جبل أُصدم على البحر الميت، بينما يقع رأسه عند منطقة أم الرشراش، ويحدّ ضلعه الشرقي المملكة الأردنية بطول يقارب 165 كيلومترًا.
وتبلغ المساحة الإجمالية للنقب نحو 12,800 كيلومتر مربع، أي ما يعادل حوالي 58% من مساحة الكيان الإسرائيلي بعد عام 1948، ونحو 47% من مساحة فلسطين التاريخية.
محاولة لتعديل الميزان الديمغرافي..
ويقول المحلل في الشأن الإسرائيلي مقداد عبد القادر إن أهداف المخططات الإسرائيلية الرسمية تتمثل في بسط الهيمنة على مساحات شاسعة من أراضي فلسطينيي النقب، إضافة إلى السيطرة على الإنسان وعقله، ودفعه نحو تجمعات سكنية لا تتلاءم مع نمط حياة البدو.
ويضيف عبد القادر في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن مدينة رهط، التي يقطنها نحو 70 ألف فلسطيني، تُعد مثالًا حيًا، إذ استُهدفت – كغيرها من التجمعات – بآفات العنف والمخدرات، إلى جانب بلدات تل السبع وكسيفة وعرعرة النقب وحورة وشقيب السلام، في إطار سياسة تهدف للسيطرة على الإنسان، وبدعم رسمي حكومي.
ويؤكد عبد القادر أن الحكومة الإسرائيلية ضخت أعدادًا من المتدينين اليهود إلى النقب، نظرًا لارتفاع معدلات الإنجاب لديهم، في محاولة لتعديل الميزان الديمغرافي، مشيرًا إلى أن عدد فلسطينيي النقب يبلغ نحو 350 ألف نسمة، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 700 ألف خلال السنوات العشر المقبلة.
ويتهم عبد القادر المؤسسة الرسمية الإسرائيلية بحشر الفلسطينيين في معازل، وسرقة أراضيهم وتهجيرهم، كما جرى في قرية أم الحيران، إضافة إلى ممارسة الضغوط ودعم مظاهر الانفلات الأمني والعصابات الإجرامية وتمويلها، وغضّ الطرف عنها حتى خرجت عن السيطرة، ما أدى إلى فجوات مجتمعية وفقدان الأمان للطرفين.
النقب في صلب المشروع الاستيطاني..
من جهته، يرى الناشط المجتمعي في النقب يوسف العطاونة أن تصريحات نتنياهو وأركان حكومته ليست جديدة، بل كانت عناوين لحملاتهم الانتخابية قبل ثلاثة أعوام، وتركزت على استهداف النقب وتغيير الموازين، وشن حملات التهجير والترحيل التي تصاعدت منذ ذلك الحين.
ويؤكد العطاونة في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وضعت استهداف أراضي النقب وتفريغها في صلب سياساتها، إلى جانب التحريض على السكان وشيطنتهم، معتبرًا أن نتنياهو يسعى إلى منافسة أقطاب اليمين واليسار في التحريض.
ويشير إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق نفتالي بينيت شارك في التحريض ضد أم بطين وتل السبع، محذرًا مما وصفه "سيطرة العرب على النقب"، وهو ما تبعته حملات مكثفة للشرطة، كان آخرها مقتل فلسطيني في بير هداج برصاص مستوطن، في سياق ما يصفه بالتطهير العرقي وتهجير أصحاب الأرض.
دعاية انتخابية..
بدوره، يصنّف الإعلامي عطوة أبو خرمة تصريحات نتنياهو ضمن سياق الدعاية الانتخابية المقبلة، خشية سقوطه، معتبرًا أن زيارته للنقب وتصريحاته جاءت على شكل “عرض عضلات”، لافتًا إلى أن النقب لم يكن على أجندة نتنياهو طوال نحو 20 عامًا.
ويقول أبو خرمة لـ "وكالة سند للأنباء"، إن فلسطينيي النقب يتمتعون بوعي كافٍ يتيح لهم التمييز بين التصريحات وفهم مغزاها، والتي تهدف – بحسب وصفه – إلى القفز على أكتاف أصحاب الأرض الأصليين والشرعيين.
ويحذر ضيف "سند" من استمرار سرقة ما تبقى من أراضي النقب، إذ لا يملك أهلها اليوم سوى نحو 7% من إجمالي مساحتها، بعد عقود من الاستيلاء عليها عبر سياسات التهجير والترحيل والهدم المتواصل، وسن القوانين والتشريعات المختلفة.
