يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه في المنطقة الجنوبية بالخليل، لليوم الثاني على التوالي، عبر استهداف منازل المواطنين وإغلاق الطرقات، وفرض منع التجول، ونصب حواجز وبوابات، بزعم وقف الفلتان وانهاء إطلاق النار في تلك المنطقة، وسط تحذيرات وشكوك من نوايا الاحتلال بفرض واقع جديد في المدينة.
وتسود مخاوف جدية لدى الفلسطينيين من إقدام الاحتلال على تقسيم المنطقة الأقرب للبلدة القديمة بالخليل، وفرض إغلاق جديد يزيد من معاناة المواطنين، بعيداً عمّا يسوقه من مبررات لحالة الفلتان الأمني، التي هي بالأصل من صناعة الاحتلال وتدبيره.
خنق المواطنين ومنع الحركة والتنقل
وترى نائب رئيس بلدية الخليل أسماء الشرباتي، أن ما يجري من عدوان إسرائيلي في المنطقة الجنوبية بالخليل، يعد سابقة خطيرة، بما يتضمنه ذاك من محاصرة منطقة كبيرة، عبر إغلاقها وشل الحركة فيها، وما يحمله العدوان من توجهات خطيرة إزاء مدينة الخليل.
وبينت الشرباتي في حديث لـ "وكالة سند للأنباء" أن المنطقة المغلقة التي ينفذ فيها الاحتلال حملته العسكرية، تعتبر من المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة، والتي يتجاوز عدد السكان فيها 19 ألف نسمة، حيث يُمنعون من الحركة والتنقل وتلقي الخدمات الأساسية لأجل غير معروف.
وشددت على أن هذه العملية لا يمكن النظر لها بمعزل عن أحداث سابقة في مدينة الخليل؛ وأبرزها سرعة انتشار البؤر الاستيطانية، واستهداف البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، وسحب صلاحيات بلدية الخليل منه.

وتابعت: حالياً يتم إغلاق المنطقة الأقرب للبلدة القديمة بشكل يثير مخاوف وشكوكًا حول الذرائع الإسرائيلية بشأن الفلتان الأمني الذي يقف خلفه الاحتلال، بهدف السيطرة المباشرة على المكان.
ولفتت الشرباتي إلى التضييق الاسرائيلي على عمل طواقم البلدية، حيث استمر أمس انقطاع الكهرباء بسبب خلل فني لساعات طويلة، حتى استطاعت الطواقم الدخول لإصلاحه في ظل أزمة إنسانية بسبب ظروف الطقس، حيث تعرضت للضغط والتخويف والهجوم، كون أن الخدمات بحاجة لترتيب مع الارتباط.
وتحذر الشرباتي من أن مخاطر سياسية في هذا العدوان تتمثل في إحداث حالة جديدة تشمل السيطرة وفرض مداخل وبوابات وتفتيش وإغلاق، وليست حالة طارئ تستمر لعدة أيام كما يدعي الاحتلال.
وشرعت قوات الاحتلال أمس الاثنين، بعمليات دهم وتفتيش واسعة طالت عشرات المنازل في المنطقة الجنوبية، تخللها تنكيل بأصحاب المنازل، واعتقالهم وإخضاعهم التحقيق الميداني في عدة منازل، تم تحويلها لمواقع عسكرية.
إغلاقات وتضييق على السكان
بدوره، يوضح رئيس مجلس قروي بيرين، جنوب شرق الخليل فريد برقان، وهو أحد سكان منطقة جبل جوهر في المنطقة الجنوبية، أن الاقتحام والإغلاق مستمر منذ أمس في جبل جوهر، وطريق الكسارة، ووادي حصين، وطريق صرصورية، وجامع الشهداء ومحيطه، ومحيط ديوان عائلة غيث، عبر إحكام القبضة على المنطقة، وتفتيش المنازل والعيث بمحتوياتها، وسرقة الذهب والأموال، ونصب بوابات، وإقامة سواتر ترابية.
كما نصب الاحتلال بوابتين على دوار السهل ودوار المختار، ونصب بوابة أخرى على منطقة صرصورية، ووضع هذه المنطقة تحت قبضة محكمة، منذ ساعات أمس، وفق برقان.

ويشير برقان لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه المنطقة تخلو من أي مقومات حياة لفترات طويلة، ويعتمد المواطنون على التسوق اليومي، وهناك الكثير من المرضى والأطفال بحاجة للحليب مما سيخلق أزمة إنسانية كبيرة.
ويؤكد برقان بطلان دعاءات الاحتلال حول انتشار السلاح والفلتان بالمنطقة، مشدداً على أن العدوان سيخلق أزمات اجتماعية بين العائلات، بسبب ذرائع الاحتلال التي تخفي أهدافًا سياسية وتوسعية.
واستدعت قوات الاحتلال أمس الاثنين، عددًا من وجهاء العشائر في المنطقة الجنوبية في الخليل، وهددتهم بمواصلة الحملة العسكرية في حال عدم تسليم السلاح والمطلوبين، وهو ما رفضه رجال العشائر، كون أن المنطقة تخضع لسيطرة الاحتلال الأمنية.
ذرائع إسرائيلية كاذبة
ويرى رجل الإصلاح العشائري في الخليل وليد الطويل، أن العملية العسكرية التي يقوم بها الاحتلال لا تهدف لحل مشاكل عشائرية، بل ذريعة للاحتلال لتقسيم المنطقة الجنوبية إلى كانتونات معزولة، لأهداف سياسية تحت ذريعة إنهاء الفلتان.
ولفت الطويل في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن المنطقة الجنوبية سبق وأن مرت بشجارات عشائرية ومراحل أصعب من هذه المرحلة، والاحتلال لم يتدخل في حينه لأن مصلحته اشتعال الأوضاع الداخلية.
ويشير إلى أن العملية العسكرية تستهدف المواطنين بإغلاق المناطق والتنكيل بهم ومنعهم من الدخول والخروج، دون أن يلاحق من هم سبب الأزمة الحقيقية كما يدعي.
وقسم اتفاق ١٩٩٧ مدينة الخليل إلى منطقتين؛ "h1" التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية وتشكل نحو 80% من المدينة، و "h2" وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشمل البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي، وعددا من الأحياء جنوبي المدينة.
الخليل في قلب مطامع الاستيطان
من جانبها، تعتبر الكاتبة والمحللة السياسية لمى خاطر أن الحملة العسكرية التي يشنها جيش الاحتلال على المنطقة الجنوبية في الخليل هدفها السيطرة الكاملة على جنوب المدينة، وتهجير أكبر قدر ممكن من أهلها، بعد تصعيب حياتهم والتمهيد لإنشاء كيانات منفصلة مرتبطة بالاحتلال، في عموم الضفة الغربية.
وترى خاطر في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" أن الخليل تقع في قلب المطامع الاستيطانية، وتأتي بعد القدس في الاستهداف بالتهويد والهيمنة، وشل حياة الناس في جنوب المدينة هدفه تهجيرهم، والتخلص من الكثافة السكانية في تلك المنطقة وإحكام السيطرة على المدينة.

ولفتت إلى أن المبررات الإسرائيلية كاذبة ومحاولة للترويج بأن الاحتلال هو الذي يملك إنهاء خلافات داخلية، وأنه حريص على أمن أهل المنطقة الجنوبية.
وتعتبر خاطر أن سلاح الفلتان أو المشاكل العائلية مسكوت عنه من الاحتلال، ومخابراته تعلم تماما مصادر هذا السلاح، وأين يتكدس ومن هم عناوينه.
وتابعت: عندما نتحدث عن منطقة تحت سيطرة الاحتلال من ناحيه أمنية تبدو مفارقة غريبة، أن يسمح الاحتلال بوجود هذه الكميات الكبيرة من السلاح فيها، والتي تخرج إما لأغراض الفلتان أو المشاكل العائلية.
وتشير خاطر إلى أن الاحتلال يدرك تماما أن هذا السلاح ليس لأغراض مقاومته، وأن السماح بوجوده له أهداف مثل إشاعة الجريمة وتعزيز المشاكل العائلية داخل المجتمع الفلسطيني، وتحييده عن المقاومة والحالة الوطنية.
