تتزايد مؤشرات العجز العالمي إزاء المعاناة اليومية المتفاقمة للأطفال في قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب والحصار وانتشار مظاهر الجوع وسوء التغذية، ما يترك آثارًا نفسية وأخلاقية عميقة لا تقتصر على السكان داخل القطاع، بل تمتد إلى المجتمعات التي تتابع هذه الوقائع عبر الشاشات دون قدرة فعلية على التدخل.
وخلال الأشهر الماضية، وثّقت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد متكررة لأطفال رُضّع وجرحى، بعضهم قتلى وآخرون يتضورون جوعًا، وأطفال يبكون خوفًا وألمًا تحت القصف أو بعده.
وباتت هذه المشاهد عنصرًا ثابتًا في تدفق الأخبار اليومية، وغالبًا ما تظهر إلى جانب محتوى ترفيهي أو إعلانات، ما يضاعف حدة التناقض بين واقعين متوازيين: أطفال في أمان، وآخرون يعيشون تحت القصف والجوع.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة الصادرة هذا الأسبوع، يعاني نحو 14 ألف رضيع في قطاع غزة من سوء تغذية حاد وشديد، في سياق وصفته منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش، بأنه استخدام ممنهج للتجويع كسلاح حرب. وتشير التقارير إلى أن القيود المفروضة على دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية أدت إلى تفاقم الأزمة الصحية، خصوصًا بين الأطفال والنساء.
عجز دولي مريب
ورغم تحركات شعبية واسعة في دول مختلفة، شملت تظاهرات، وكتابة عرائض للسياسيين، وجمع تبرعات لصالح منظمات الإغاثة، فإن هذه الجهود لم تنجح حتى الآن في وقف تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة.
وأسهم هذا الواقع في انتشار شعور واسع بالعجز لدى متابعين كثر، ممن يرون الانتهاكات تتكرر دون مساءلة أو تدخل فعّال.
ويشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن هذا الشعور الجماعي يمكن تصنيفه ضمن ما يُعرف بـ“الأذى الأخلاقي”، وهو حالة من الضيق النفسي العميق تنشأ عندما يُجبر الأفراد، أو يشعرون بأنهم مجبرون، على القبول بأوضاع تتعارض مع قيمهم الأخلاقية الأساسية، سواء بالفعل أو الامتناع عنه.
وقد ظهر هذا المفهوم سابقًا بشكل واضح لدى العاملين في القطاع الصحي خلال جائحة كورونا، عندما عجزوا عن تقديم العلاج بسبب نقص الموارد وضغط الأنظمة الصحية.
نقص حاد في الأدوية والغذاء
في غزة، يتخذ هذا الأذى شكلًا مباشرًا وقاسيًا. العاملون في المجالين الطبي والإغاثي يواجهون يوميًا واقعًا يعجزون فيه عن تلبية احتياجات جميع المصابين والجوعى، في ظل نقص حاد في الأدوية والغذاء والمعدات.
ويولد هذا العجز شعورًا دائمًا بالحزن والذنب، وأحيانًا الإحساس بالخيانة المهنية، وفق شهادات متطابقة نقلتها تقارير ميدانية.
أما بالنسبة للأهالي، فتشير شهادات إنسانية متعددة إلى أن مشاهدة طفل يبكي من الجوع مع انعدام القدرة على إطعامه تمثل أحد أقسى أشكال المعاناة.
وتستعيد هذه الشهادات مشاهد موثقة من مستشفيات القطاع، بينها صور لأطفال حديثي الولادة في أقسام العناية المركزة، وُضع عدد منهم في سرير واحد تحت القصف للحفاظ على دفئهم في ظل انقطاع الكهرباء ونقص التجهيزات الطبية.
في المقابل، يطرح متابعون في الخارج تساؤلات حول الأثر التراكمي لمشاهدة هذا الحجم من المعاناة عبر الشاشات، وما يخلقه من شعور بالعجز والتواطؤ غير المباشر.
فمشاهدة المأساة دون القدرة على وقفها أو التأثير في مسارها السياسي تترك آثارًا نفسية عميقة، قد تؤدي إلى الانسحاب من متابعة الأخبار، أو إلى غضب متزايد تجاه الحكومات والمؤسسات الدولية.
ويحذّر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع يهدد بتآكل الثقة في النظام الأخلاقي العالمي، وفي قدرته على حماية الأطفال خلال النزاعات المسلحة. فغياب المحاسبة، واستمرار الانتهاكات بحق المدنيين، يعززان الشعور بأن القيم المعلنة حول حقوق الإنسان وحماية الطفولة تخضع لاعتبارات سياسية وانتقائية.
ويرى مختصون أن هذا المناخ قد يقود إلى أحد مسارين: إما تبلّد عام وانكفاء نفسي لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، أو تصاعد غضب منظم قد يترجم إلى ضغط سياسي أوسع. وفي الحالتين، تبقى معاناة أطفال غزة مؤشرًا صارخًا على فشل المنظومة الدولية في الاستجابة الفعلية لأزمات إنسانية موثقة ومتواصلة.
لقراءة نص التقرير كاملا في صحيفة الغارديان أضغط هنا
