قبيل حلول شهر رمضان بأيام، وبينما كانت القدس تستعد لاستقبال شهر الرحمة، كسر الاحتلال قفل دار الحديث الشريف في الجهة الشرقية من المسجد الأقصى، لم يكن الأمر حادثة عابرة، بل خطوة وصفها مختصون بأنها تجديد لمعركة باب الرحمة ومحاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة في أكثر مناطق الأقصى حساسية.
وقالت مؤسسة القدس الدولية في بيانها اليوم الثلاثاء، إن قوات الاحتلال أقدمت ليلة الثلاثاء/الأربعاء 3 و4 فبراير/ شباط الجاري، على كسر قفل دار الحديث الشريف الواقعة بين مصلى باب الرحمة وباب الأسباط في الجهة الشرقية من الأقصى.
وأكدت مؤسسة القدس، أن سلطات الاحتلال رفضت إعادة تركيب أي قفل جديد، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على حرية اقتحامها للمكان في أي وقت.
وأضافت أن هذا التحرك يؤكد نية الاحتلال تجديد المعركة على مصلى باب الرحمة وتجديد محاولة إغلاقه، فدار الحديث تجاور باب الرحمة من الشمال، والسيطرة عليها تعني عمليًا الإمساك بمفاتيح الجهة الشرقية كاملة.
ورأت المؤسسة أن استهداف دار الحديث لا يمكن فصله عن التضييق المتواصل على مصلى باب الرحمة جنوبها، ولا عن استفراد المقتحمين بالساحة الشرقية وأداء الطقوس التوراتية فيها، ومنع الحراس والمصلين من دخولها خلال الاقتحامات.
وحذرت في بيانها من أن هذه العناصر الثلاثة تضع الجهة الشرقية من الأقصى، بأسرها في عين الخطر باعتبارها هدفًا متجددًا للتقسيم المكاني.
وأشارت إلى أن تكرار اقتحام دار الحديث قد يمهد لتحويلها إلى مقر إضافي لشرطة الاحتلال، كما حدث مع الخلوة الجنبلاطية التي اغتصبت عام 1982 وحُوّلت إلى مركز شرطة، معتبرة أن ما يجري يتماشى تمامًا مع حالة التغول الأمني المستمر داخل الأقصى.
الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص يوضح في منشور على "فيسبوك"، أن كسر قفل دار الحديث ليس إجراءً أمنيًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن الاحتلال يريد إبقاء المكان مفتوحًا لاقتحاماته دون أي عائق، تمهيدًا لتحويله إلى نقطة تمركز دائمة.
ووفق المعطيات الميدانية، تنتشر حاليًا 9 دوريات راجلة داخل باحات المسجد على مدار الساعة منذ 13 مارس 2024، في مشهد يصفه مقدسيون بأنه تكريس لواقع أمني دائم داخل مكان عبادة.
رمضان 2026… قيود غير مسبوقة
قبيل حلول رمضان، تصاعدت الإجراءات الإسرائيلية في القدس والمسجد الأقصى، خاصة في محيط باب الرحمة ودار الحديث.
وأكدت محافظة القدس، أن سلطات الاحتلال مددت فترة اقتحامات المستوطنين ساعة إضافية يوميًا خلال رمضان، في خطوة وصفتها المحافظة أنها تصعيد خطير.
وأصدرت سلطات الاحتلال أكثر من 300 قرار إبعاد منذ مطلع 2026، استهدفت قيادات دينية وحراس المسجد ونشطاء مقدسيين.
وفرضت قيودًا عمرية على القادمين من الضفة الغربية، بمنع الرجال دون 55 عامًا والنساء دون 50 عامًا من دخول الأقصى، وحدّدت سقف 10 آلاف مصلٍ فقط في أيام الجمعة.
واستدعت سلطات الاحتلال كبار مسؤولي دائرة الأوقاف للتحقيق، ومنعت إدخال وجبات الإفطار ومستلزمات التنظيف والعيادات المتنقلة استعدادًا للشهر الفضيل.
وتشير التقارير إلى استحداث الاحتلال، آلية تبليغ قرارات الإبعاد عبر رسائل "واتساب" لتسريع تنفيذها قبيل رمضان.
معركة مستمرة منذ 2003
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان ما جرى عام 2003 حين أغلقت سلطات الاحتلال مصلى باب الرحمة بقرار استمر 16 عامًا، قبل أن ينجح المقدسيون في 22 فبراير 2019 في إعادة فتحه بالقوة الشعبية فيما عُرف بـ"هبة باب الرحمة"، بعد محاولة الشرطة تغيير أقفال المصلى وإعلان السيطرة عليه.
وتقول المرجعيات المقدسية إن المحاكم الإسرائيلية واصلت بعد ذلك إصدار قرارات إغلاق "مؤقتة" تتجدد كل 60 يومًا، وكان آخرها في فبراير 2026، في محاولة لإعادة فرض السيطرة القانونية على المصلى.
وتؤكد دائرة الأوقاف الإسلامية أن باب الرحمة جزء أصيل من المسجد الأقصى بمساحته البالغة 144 دونمًا، ولا يخضع للقوانين أو المحاكم الإسرائيلية، مشددة على أن صلاحيات الإدارة والترميم حصرية لها.
أمام هذه التطورات، وجّهت مؤسسة القدس الدولية نداءً قالت فيه: "نتوجه إلى كل قادر على الوصول إلى المسجد الأقصى بشد الرحال إليه، والرباط فيه، وتجديد محاولة الاعتكاف تثبيتًا لهويته الإسلامية".
ودعت إلى تكثيف الحضور في الجهة الشرقية تحديدًا، قرب باب الرحمة ودار الحديث الشريف، لمنع الاحتلال من تثبيت نقاط أمنية جديدة فيها بعد كسر أقفال الدار.
وجددت النداء إلى الأمة العربية والإسلامية ونخبها وعلمائها "بضرورة جعل الأقصى عنوان تحركها الشعبي والجماهيري، وعنوان دعائها واعتكافها ووعيها خلال شهر رمضان".
لكن في المقابل، يؤكد المقدسيون أن الأبواب التي فُتحت برباط الناس عام 2019 لن تُغلق بسهولة، وأن رمضان رغم القيود سيبقى شهر شدّ الرحال إلى الأقصى، لا شهر الانكفاء عنه.
