في غزة، حيث يُقاس العمر بعدد الغارات لا بعدد السنوات، يقف الطبيب والفنان الفلسطيني عز الدين سمير لولو شاهدًا حيًّا على معنى أن يولد الإنسان من جديد بعد الفقد، قصته ليست سيرة فرد، بل مرآة لمدينة كاملة تحاول أن تبقى حيّة رغم أنقاضها، بين سماعة الطبيب وريشة الرسم، نسج عز الدين حكايةً عن الألم الذي تحوّل رسالة، وعن بيت صار قبرًا جماعيًا، وعن حلمٍ رفض أن يُدفن تحت الركام.
وُلدتُ مرتين..
يقول عز الدين سمير لولو لـ"وكالة سند للأنباء": "اليوم أصف نفسي كشخص وُلد مرتين؛ المرة الأولى عندما جئت إلى هذه الحياة، والمرة الثانية عندما فقدتُ عشرين فردًا من عائلتي دفعة واحدة".
هكذا يختصر الشاب الغزي مسارًا تبدّل جذريًا في لحظة واحدة، حين لم يعد مجرد طالب طب يحلم بمستقبل هادئ، بل صار شاهدًا على الألم، وطبيبًا يحمل رسالة، وابنًا فقد والده لكنه يحمل اسمه في كل خطوة.
لحظة التحول الكبرى
في الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وبينما كان يؤدي واجبه الإنساني داخل مجمع الشفاء الطبي تحت حصار خانق، تلقى خبر قصف منزل عائلته، سقط والده سمير لولو شهيدًا، ومعه شقيقه المهندس حذيفة، وزوجة شقيقه، وجدته وأخواله، وأكثر من عشرين فردًا من أسرته دفعة واحدة.

لم يتمكن من توديعهم أو دفنهم؛ فمعظم جثامينهم بقيت تحت الأنقاض لأكثر من عامين بسبب نقص المعدات واستمرار الحرب، ويصف تلك اللحظة قائلًا إن منزله تحوّل إلى قبر جماعي، يحتضن من أحبّهم جميعًا.
الأم… الناجية والسند الوحيد
الناجية الوحيدة من المجزرة كانت والدته، وقد أصيبت بجروح خطيرة، ومنذ ذلك اليوم أصبحت بالنسبة له أكثر من أم؛ صارت السند الوحيد والسبب الأوضح للاستمرار، يقول عنها: "نحن لا نتحدث كثيرًا عن الألم، لكننا نفهمه في نظرة واحدة، بقاؤها بجانبي يذكّرني أن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تستحق أن تُعاش".
طبيب تحت النار
رغم الفقد، واصل عز الدين عمله الطبي الميداني في مستشفى الشفاء ومستشفيات أخرى، حتى قبل أن يتخرج رسميًا، وفي يناير/كانون الثاني 2026، نال شهادة الطب من كلية الطب في الجامعة الإسلامية بغزة.


لم يكن تخرجه حدثًا عاديًا؛ فقد أُقيم الحفل أمام والدته وداخل مستشفى الشفاء المدمر، ليصبح المشهد شهادة حيّة على أن الحياة تولد من رحم الموت.

مؤسسة سمير
ومن داخل مجمع الشفاء، أطلق عز الدين مؤسسة "سمير" (Samir Foundation) تخليدًا لذكرى والده وأكثر من عشرين شهيدًا من عائلته.
وتهدف المؤسسة إلى دعم تعليم طلاب الطب في غزة، وتدريب الكوادر الصحية، وتوفير منح دراسية تحول دون انهيار التعليم الطبي في ظل الحرب.
ويؤكد ضيف "سند"، أنه كرّس جهده كي لا يُحرم أي طالب من حلمه بسبب الفقد أو النزوح أو العجز المالي، بل وكان أحد أوائل المتخرجين ضمن الفوج الذي دعمته المؤسسة.
داخل المستشفى، يعيش الطبيب الشاب معادلة قاسية، في كل مريض يرى احتمال أن يكون أحد أفراد عائلته، وأحيانًا يجد نفسه يعالج جراحًا تشبه جراحهم، العمل يعيده إلى الألم، لكنه في الوقت نفسه يمنحه معنى الاستمرار.

يقول: "عندما تنقذ حياة، تشعر أن الألم لم يكن عبثًا، وأنك تقاوم الموت بالفعل، لا بالكلمات".
تمر عليه لحظات تستحضر الذاكرة فجأة، رائحة المستشفى، صوت سيارات الإسعاف، حتى أسماء بعض المرضى، عندها يتوقف لثوانٍ، يتنفس، ثم يعود إلى عمله، لأن هناك إنسانًا آخر يحتاجه الآن.
ورغم توفر فرصة لمغادرة غزة، قرر البقاء، لم يكن القرار عقلانيًا بالكامل، بل قرار قلب، كما يقول: "كيف أترك زملائي ومرضاي وبلدي في أصعب لحظة؟ شعرت أن مكاني هنا. البقاء لم يكن بطولة، بل انتماء ومسؤولية".
الفن وسط الركام
إلى جانب الطب، وجد عز الدين في الفن وسيلة أخرى للبقاء، يُعرف بلقب "رسام الابتسامة" لأنه كان يرسم بورتريهات سريعة للجرحى والنازحين داخل مجمع الشفاء ويهديها لهم، محاولًا أن يخفف وطأة الإصابة والنزوح، ومحولًا جدران المستشفى والخيام إلى معارض فنية صغيرة تبث الأمل في القلوب المحطمة.
اشتهر باستخدام تقنية "الزووم" اللانهائي في الرسم الرقمي في إحدى لوحاته الأكثر تأثيرًا، يبدأ المشهد بصورة عامة للدمار في غزة، ومع الاقتراب تظهر ملامح والده وشقيقه حذيفة بابتسامة هادئة. بهذه الطريقة أراد أن يقول للعالم إن خلف كل رقم في نشرات الأخبار إنسانًا وحلمًا وحكاية.
يرى عز الدين أن الطب يداوي الجسد، والفن يداوي الروح، لذلك رسم لوحات تدمج بين سماعة الطبيب وفرشاة الألوان، ووثق بريشته زملاءه الأطباء الذين استشهدوا وهم يرتدون المعاطف البيضاء، مخلدًا ذكراهم كأبطال لا كضحايا.

ومن أبرز أعماله لوحة "الصمود"، التي صوّر فيها نفسه بالزي الطبي وهو يحمل فرشاة الرسم، محاطًا بهالات من الضوء تمثل أرواح عائلته التي تسانده، كما صمم شعار مؤسسة "سمير" بروح فنية تجمع بين رمز العطاء الطبي واسم والده، لتصبح كل منحة دراسية لوحة أمل جديدة.
يلخص عز الدين حكايته بجملة واحدة: لقد سرقوا منزلي وعائلتي، لكنهم لم يستطيعوا سرقة ريشتي أو قدرتي على الحلم.
ويؤكد أن بقائه إلى جانب زملائه والناس في غزة يعني أن الألم يتقاسم حين يُحمل جماعيًا، وأن الأمل يكبر حين يُصنع معًا.
وفي رسالته إلى العالم، يشدد على أن غزة ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل وجوهًا وقصصًا وأحلامًا مؤجلة.
"غزة هي أطباء يواصلون العمل بلا نوم، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وطلاب طب يدرسون على ضوء الهاتف"، يقول، ثم يضيف: "نحن لا نطلب شفقة، بل أن يُنظر إلينا كبشر، وأن يُدعم حقنا في الحياة، وفي التعليم، وفي العلاج".
