الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 8 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

رمضانها الثالث بالحبس المنزلي..

سمية جوابرة.. بين القيود والحنين لطقوس مسلوبة

حجم الخط
WhatsApp Image 2026-03-01 at 11.39.12 AM.jpeg
نابلس - وكالة سند للأنباء

في شهرٍ تُفتح فيه أبواب المساجد وتزدحم البيوت بالزيارات والموائد، تجلس الصحفية سمية جوابرة للعام الثالث على التوالي خلف باب منزلها، لا تفصلها عن العالم أسوار سجنٍ تقليدي، بل قرار حبس منزلي مفتوح المدة، حرمها من أبسط تفاصيل الحياة.

شهر رمضان الذي يفترض أن يكون موسمًا للروح واللمة، تحوّل لدى سمية إلى اختبار يومي للصبر، فيما يكبر أطفالها وهم يتعلمون معنى الغياب القسري لأمٍ حاضرة بالجسد، غائبة عن تفاصيل الحياة خارجه.

بدأت معاناة جوابرة (33 عامًا) في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، حين اعتقلتها قوات الاحتلال. تنقلت لمدة أسبوع بين عدد من السجون، قبل أن تقرر المحكمة الإفراج عنها وتحويلها إلى الحبس المنزلي بشروط مشددة.

وجاء اعتقالها، بحسب ما أفادت عائلتها، نتيجة تحريض مباشر من مستوطنين، وتحديدًا عبر قناة على تطبيق "تيليغرام" تُسمّي نفسها "صائدو النازيين"، شنت حملة واسعة استهدفت مئات الشخصيات والمؤسسات الفلسطينية.

لم يكن الإفراج حريةً كاملة؛ إذ فرضت المحكمة كفالة مالية بقيمة 10 آلاف شيكل، وحبسًا منزليًا مفتوح المدة، مع منع استخدام الإنترنت أو اقتناء الهاتف المحمول.

كما أُجبر زوجها ووالدته على أن يكونا مراقبين محليين لضمان التزامها بالشروط، تحت تهديد صريح بإعادة اعتقالها دون احتساب مدة الحبس المنزلي، إضافة إلى غرامة قد تصل إلى 50 ألف شيكل في حال الإخلال بأي شرط.

كانت سمية في شهرها السابع من الحمل حين اعتُقلت. وبعد نحو أسبوع، أُفرج عنها مع جنينها "يوسف"، الذي عُدّ حينها أصغر أسير.

وُلد يوسف في 22 يناير/ كانون الثاني 2024، في اليوم الذي يصادف الذكرى الثانية والعشرين لاستشهاد جده الشيخ يوسف السركجي.

رمضان بلا تراويح.. ولا صلاة عيد

يقول زوجها طارق السركجي إن هذا هو رمضان الثالث الذي يمر على سمية في الحبس المنزلي، وقد سبقه أربعة أعياد قضتها داخل المنزل.

"ويسرد طارق جانبًا من الحكاية لـ "وكالة سند للأنباء": رمضان يمر بصعوبة، نفتقد الكثير من الطقوس. أتمنى أن أصطحب سمية إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، أن نشارك معًا في صلاة العيد، لكن هذه الأجواء محرومة منها. كذلك الولائم والعزائم العائلية، محرومة من المشاركة فيها".

كما تُحرم سمية من الجمعات واللمات العائلية في شهر رمضان، ولا تستطيع تلبية دعوات أقاربها، وينطبق الأمر ذاته على العيد.

الأطفال بدورهم لم يكونوا بعيدين عن هذا الغياب القسري. يقول طارق إنهم في البداية كانوا يسألون، وحتى الآن إلى حد ما، عندما يهمّ بالخروج: "طيب ماما؟ ليش ماما مش معنا؟ ليش تركناها بالبيت؟".

عندما يأخذهم إلى الملاهي أو لتناول الطعام في مطعم أو لأي مشوار، وحتى في الأعياد السابقة عند زيارة أهلها، يكون الموقف صعبًا جدًا. "أذهب أنا والأطفال دون سمية، وهي ابنتهم والرابط بيني وبينهم".

ومع الوقت، بدأ الأطفال يفهمون أن والدتهم خاضعة للحبس المنزلي وممنوعة من الخروج، حتى إنهم أصبحوا يشاركون في الحديث عن الموضوع ويعرفون تفاصيله.

تفاصيل صغيرة.. وجع كبير

تضاعفت المسؤوليات على طارق كأب، وعن ذلك يحدثنا: "هناك أمور لم أكن أقوم بها، أو كنت أقوم بها بوجود سمية، أصبحت أتحملها وحدي، مثل مرافقة الأطفال إلى المعاينات الطبية".

وتبقى بعض اللحظات البسيطة أكثر قسوة من غيرها. عند استلام الشهادات المدرسية أو خلال الفعاليات، تغيب الأم.

يروي طارق أن طفلته "سماء" عادت ذات مرة إلى المنزل تقول لوالدتها: "كل البنات مع أمهاتهم ويتصورون معهم، لماذا لا تكوني معي؟". تفاصيل كهذه، كما يقول، تترك أثرًا كبيرًا في النفس.

أما التسوق وشراء حاجيات الأطفال، فأصبح يتم عبر الشراء الإلكتروني أو بمساعدة أخواته أو زوجة أخيه، في محاولة لسد الفراغ الذي يخلّفه غياب سمية عن الخروج من المنزل.

وحتى طفلهما الصغير يوسف، الذي يحتاج إلى رعاية أكبر ومرافقة دائمة، يتأثر بدوره. "لأنه بحاجة لعناية مضاعفة، يُحرم من الخروج كأمه، ولا أستطيع أحيانًا اصطحابه معي برفقة إخوته"، يقول طارق.

انتظار قرار لا يأتي..

وعن آخر المستجدات القانونية، يوضح طارق أن المحامي أبلغه بعد مرور 18 شهرًا، في شهر مايو/أيار الماضي، أن قضية الحبس المنزلي انتهت، وكذلك الإجراءات المتعلقة بمنع استخدام الإنترنت أو اقتناء الهاتف المحمول.

"لكن حتى الآن لم نحصل على قرار رسمي من المحكمة بهذا الشأن"، ويشير إلى أن العائلة بانتظار أول جلسة تُعقد لسمية، علمًا بأن من أُفرج عنهم بكفالة منذ بداية الحرب لم تُعقد لهم محاكم حتى الآن.

ويبقى التهديد قائمًا في حال الإخلال بشروط الحبس المنزلي، قد تُعاد سمية إلى الاعتقال وتُفرض عليها غرامة مالية بقيمة 50 ألف شيكل.

وبين انتظار قرار رسمي، ورمضان ثالث يمرّ بصمت داخل الجدران ذاتها، تستمر حياة سمية جوابرة معلّقة بين بيتٍ تحوّل إلى سجن، وأطفال يكبرون وهم يتعلمون معنى الحرمان مبكرًا.