اتهامات متبادلة، وروايات متضاربة تملأ الفضاء الإلكتروني، حول أزمة الوضع الاقتصادي وفوضى الأسواق وأسعار السلع في قطاع غزة، بعضها يتهم وزارة الاقتصاد في غزة، وبعضها يحمل الذنب الأكبر لجشع التجار ورغبتهم الجامحة في كسب المال بأي طريقة، وبعض آخر يضعها في حجر الاحتلال الإسرائيلي ورغبته في إيلام غزة وأهلها عبر سياسات التضييق والحصار والاحتكار والغلاء، وهناك من يجمع في رأيه أكثر من سبب مما سبق ذكره.
ولا يخفى على أحد أن أصعب فصول الألم والمعاناة التي تكبدها الفلسطينيون في غزة، تلك التي حولت الرغيف وحبة الدواء، إلى أدوات في ترسانة الحرب الإسرائيلية، عبر سياسة ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي من التحكم بالمعابر، والسيطرة على ما يدخل للقطاع أو ما يجب منعه، بأدوات مختلفة.
وتحولت السيطرة الإسرائيلية على تدفق الغذاء من حصار اقتصادي، إلى سلاح فتاك ينهش أجساد المدنيين، ويفتح الباب واسعاً أمام احتكار السلع ورفع أسعارها لدرجة تفوق القدرة البشرية، في محاولة لإخضاع القطاع عبر بوابة الجوع.



في هذا السطور، يحاول معد التقرير الإجابة بشفافية وعبر استقصاء آراء مختلفة تسليط الضوء على الأسباب الحقيقية للفوضى التي تعصف بالسوق المحلية في قطاع غزة، ويرسم التقرير الذي حصلت فيه "وكالة سند للأنباء" على وثائق رسمية، مراحل السيطرة الإسرائيلية على إدخال البضائع لغزة؛ والتي ساهمت بشكل رئيسي في تعزيز الاحتكار ورفع غلاء الأسعار في القطاع.
بين معبرين..
يملك قطاع غزة منفذين رئيسيين؛ معبر رفح لدخول الأفراد؛ والآخر معبر كرم أبو سالم الذي خصصه الاحتلال لإدخال البضائع للقطاع ويسيطر عليه بشكل كامل.
وقبل الحرب؛ تم فتح بوابة صلاح الدين لإدخال البضائع من الجانب المصري، عبر شركة رئيسية تدير هذه العملية وهي شركة أبناء سيناء.
وبعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، أحكمت دولة الاحتلال سيطرتها على القطاع من خلال تحكمها بالمنافذ الرئيسية الأساسية بشكل كامل؛ عقب تدمير معبر رفح كليا في مايو/ أيار 2025، وفَتحت بعد ذلك نقطت عبور للبضائع من بوابتي "كيسوفيم" وسط القطاع؛ و"زيكيم" لإدخال البضائع للمناطق الشمالية.
لكن كيف أديرت عملية إدخال البضائع لقطاع غزة عبر معبر رفح؟ وكيف تلاعبت "إسرائيل" في عملية الاحتكار ورفع الأسعار؟
من خلال تتبع مسار محطات إدخال البضائع؛ حصل معدّ التقرير على وثيقة رسمية تكشف الإجراءات التي رافقت مرحلة إدخال البضائع عبر معبر رفح، وسيطرة الاحتلال عليها من خلال فرضه لتجار بعينهم في إدخال البضائع.


الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني– مكتب الوزير، بتاريخ 22 أبريل/ نيسان 2024، تكشف تفاصيل احتكار إدخال البضائع غير الاحتكارية إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، وما ترتب على ذلك من أعباء مالية إضافية أثرت بشكل مباشر على أسعار السلع في القطاع.
وبحسب الوثيقة، فقد أدى العدوان الإسرائيلي وإغلاق المعابر التجارية منذ أكتوبر 2023 إلى تدمير واسع للبنية التحتية الحيوية في غزة، شمل المخازن ومحطات التحلية والمباني، وتسبب في نزوح أكثر من 1.7 مليون فلسطيني، ما فاقم الأزمة الإنسانية وأثر على سلاسل الإمداد التجارية.
وأشارت الوثيقة إلى أنه في نوفمبر 2023 تم اختيار 5 شركات بصورة منفردة لإدخال السلع الأساسية إلى غزة عبر شركة مصرية، وهي: شركة السقا وخضري، شركة عماد الدين نجم، شركة عزو عقل، شركة غزة محمد الخزندار (استيراد وتسويق المحروقات)، وشركة إبراهيم الطويل.
وبيّنت أن دور هذه الشركات اقتصر على التنسيق مع الجانب الإسرائيلي مقابل رسوم مالية، حيث بلغت قيمة التنسيق نحو 25 ألف دولار على كل شاحنة، إضافة إلى رسوم أخرى تدفع لشركة مصرية تتراوح بين 7– 13 ألف دولار حسب نوع البضائع، فضلًا عن رسوم إضافية تقدر بنحو 1000 دولار بدل رسوم وأتعاب.
ولاحقًا، اختارت "إسرائيل" ثلاثة وسطاء منسقين لنقل البضائع من جنوب القطاع إلى شماله، وهم: "عزو عقل، إبراهيم الطويل، وأدهم شحيبر للنقل".
والصادم فيما كشفته الوثيقة أن هذه الشركات الخمس غير متخصصة في استيراد وتسويق السلع الأساسية، واقتصر دورها على التنسيق للتجار الآخرين مع الجانب الإسرائيلي لإدخال ونقل السلع، مقابل مبالغ مالية وصلت إلى 25 ألف دولار عن كل شاحنة، تشمل التسجيل والتنسيق والنقل.
ووفق الوثيقة، فإن هذه الترتيبات ساهمت في رفع أسعار السلع الأساسية في القطاع، حيث انعكس احتكار التنسيق والنقل على كلفة الاستيراد، في ظل غياب المنافسة ووجود وسطاء معتمدين من الجانب الإسرائيلي لنقل البضائع إلى غزة والشمال.
وتسبب ذلك في ارتفاع أسعار السلع والبضائع، قبل أن تنخفض هذه المبالغ لاحقًا لتتراوح بين 10 و20 ألف دولار.
كما أظهرت الوثيقة اعتراض مؤسسات القطاع الخاص والغرف التجارية في غزة على آلية الاحتكار وارتفاع الأسعار، مطالبة بفتح باب الاستيراد أمام جميع الشركات الفلسطينية دون رسوم تنسيق إضافية، وفتح مسارات بديلة لكسر الاحتكار.
وأوضحت أنه تم فرض ضريبة خلال ديسمبر على السلع الواردة عبر الشركات الخمس، قبل أن يتم لاحقًا وقف الاستيراد عبر هذه الشركات في تلك الفترة، في ظل نقاشات حول شرعية الضرائب المفروضة ودور وزارة الاقتصاد في ذلك.


وفي ختامها، تضمنّت الوثيقة مجموعة توصيات، من بينها: تحرك رسمي لبحث الملف مع الجانب المصري آنذاك، تحديد آلية تعاون واضحة، اختيار شركات وفق معايير محددة، تحديد السلع ذات الأولوية، إعادة تفعيل الترانزيت عبر الموانئ المصرية، والضغط على الجانب الإسرائيلي لضمان حرية الحركة التجارية ومنع احتكار إدخال البضائع إلى غزة.
تواصل معدّ التقرير مع وزارة الاقتصاد؛ التي أكدّت عبر المتحدث باسمها محمود أبو شنب؛ بأن ملف إدخال البضائع لغزة يعد ملفا مقفلا؛ ولا علاقة للوزارة به؛ وأن الهيئة المناط بها التعامل معه هي الشؤون المدنية.
بين مرحلتين..
مع تدمير الاحتلال الإسرائيلي لمعبر رفح، برزت طريقة إدخال البضائع التجارية من خلال تنسيقات عن طريق جمعيات نشطت في بيع التنسيقات بأسعار فلكية، ساهمت في رفع الأسعار لأشهر طويلة.
ولاحقا استمرت الطريقة حتى شهر مارس؛ حتى ظهرت ما تسمى بالشركة الأمريكية التي تعاملت معها شركة محمد الخزندار؛ وسمحت لها خصيصا بإدخال البضائع.
وفي وقت لاحق شاركت "الخزندار" ثلاث شركات أخرى؛ حتى أصبح الأمر مرتبطًا بـعشر شركات فقط حددتها دولة الاحتلال لإدخال البضائع لغزة.
مدير الغرفة التجارية في قطاع غزة مروان محيسن، لفت النظر إلى أنه قبل وقف إطلاق النار في يناير 2025، لم يكن القطاع الخاص يدخل البضائع بشكل رسمي، وإنما عبر "تنسيقات" كانت تمر من خلال المساعدات وتُباع في السوق باسم منظمات، مقابل مبالغ مالية كبيرة تصل أحيانًا إلى 100 ألف دولار للشاحنة.
ونبه في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن معبر الخزندار فُتح في 18 مايو 2025، وظهرت آنذاك منظمة "غزة الإنسانية"، حيث بدأ إدخال البضائع عبر ترتيبات محددة، قبل أن تتطور الآلية من تاجر واحد إلى أربعة ثم إلى عشرة، في مشهد يصفه بأنه "إدارة تجارية مقيدة تخدم الاحتلال وتعمّق أزماته الاقتصادية داخل غزة".
وقال "محيسن" إن الآلية الجديدة التي فرضها الاحتلال لإدخال البضائع إلى القطاع بعد السابع من ديسمبر 2025، ما زالت بحاجة إلى توضيح رسمي كامل، مؤكدًا أن تداعياتها العملية على الأرض تشير إلى تكريس الاحتكار وإقصاء شريحة واسعة من التجار.
وأوضح أن الآلية الجديدة تسمح لعشرة تجار فقط– أسماؤهم معلنة من قبل الجانب الإسرائيلي– باستيراد البضائع، على أن يتم الشراء حصريًا من السوق الإسرائيلي، ومن خلال أربع شركات محددة من الجانب الإسرائيلي، بما يعني منع الاستيراد المباشر من أي سوق آخر دون المرور عبر المستورد الإسرائيلي أولًا.
وبيّن أن البضائع القادمة من الضفة الغربية أو الأردن، يجب أن تمر أيضًا عبر السوق الإسرائيلية، وأن يتم شراؤها من مستورد إسرائيلي قبل إدخالها إلى غزة، فيما تدخل بعض الشاحنات من مصر عبر شركة أبناء سيناء، لكن بأعداد محدودة لا تتجاوز في بعض الأيام 30 شاحنة.
وأشار إلى أن متوسط عدد الشاحنات التجارية اليومية يبلغ نحو 134 شاحنة، لافتًا إلى أن الأسبوع الماضي شهد دخول 167 شاحنة يوم الاثنين، و232 شاحنة في يوم آخر، إلا أن الغالبية العظمى من هذه الشاحنات تأتي عبر "إسرائيل"، حتى لو كان مصدرها الأصلي الضفة أو الأردن.
وأكد "محيسن" أن التجار العشرة المخولين هم وحدهم القادرون على إدخال البضائع عبر معابر زيكيم أو كيسوفيم أو معبر أبو سالم، مشيرًا إلى أن بعض التجار يضطرون للاتفاق مع أحد هؤلاء العشرة لإدخال بضائعهم مقابل ترتيبات خاصة، حيث يتم شراء الشاحنة باسمه ثم يعاد تسليمها بعد إدخالها.
وفيما يتعلق بتكاليف "التنسيقات"، أوضح أن الرسوم تختلف بحسب نوع البضاعة، إذ تبلغ نحو 5 آلاف دولار للشاحنة المحمّلة بالمواد الغذائية، بينما تصل إلى 100 ألف دولار للشاحنات التي تحمل قرطاسية ومواد طباعة، ونحو 50 ألف دولار لشاحنات الملابس، مؤكدًا وجود إفادات موثقة من تجار حول المبالغ المدفوعة، دون معرفة الجهة التي تذهب إليها هذه الأموال.
ونبه إلى أن التنسيق يتم مباشرة بين التجار العشرة والمنسق الإسرائيلي، موضحًا أنه قبل الثامن من ديسمبر كان هناك تاجر واحد فقط يتولى هذه العملية، ثم أصبحوا أربعة، واليوم ارتفع العدد إلى عشرة تجار.
وأضاف أن هناك مواد مسموح بها رسميًا مثل اللحوم ومواد النظافة وبعض الاحتياجات الإنسانية، في حين أن إدخال مواد مثل أجهزة الحاسوب والطاقة الشمسية ممنوع رسميًا، لكنها تدخل أحيانًا بطرق غير معلنة عبر ترتيبات مباشرة بين بعض التجار والجانب الإسرائيلي، في صفقات "تحت الطاولة" لا تخضع للآلية المعلنة.
وبين "ضيف سند" أن بعض التجار غير المنخرطين في الآلية؛ يحصلون على مواد ممنوع توريدها إسرائيليا.
وشدد على أن هذه الآلية لا تخضع حاليًا لأي جهة فلسطينية، سواء وزارة الاقتصاد أو هيئة المعابر أو أي جهة تنسيقية، حيث يتم التعامل مباشرة بين الاحتلال وعدد محدود من التجار، ما يعني إقصاء المؤسسات الفلسطينية الرسمية عن إدارة الملف التجاري.
وحذر من أن استمرار العمل بهذه الطريقة يضر بالاقتصاد المحلي والقطاع الخاص والمواطنين، لأنه يقصي أعدادًا كبيرة من التجار من السوق، ويتسبب في تسريح آلاف العمال، ويركّز النشاط التجاري بيد فئة محدودة، الأمر الذي يؤدي إلى احتكار السلع وارتفاع أسعارها بشكل مضاعف.
ولفت إلى أن الغرفة التجارية خاطبت الجهات المعنية وأصدرت أوراق حقائق ومذكرات موقف وأوراق ضغط ومناصرة، محذّرة من خطورة ترك هذا الملف دون تنظيم وطني واضح، ومطالبة بإنهاء الاحتكار وفتح المجال أمام جميع التجار ضمن ضوابط شفافة.
مفاجأة صادمة..
بدوره، قال عضو جمعية رجال الأعمال بغزة حسام الحويطي، إن الشركات العشرة لا تحصل على أي أسعار بشأن التنسيقات، وأوضح أن هذه الشركات تحصل على مبالغ مالية باهظة من الشركات التي تنسق معها لأجل توريد البضائع لصالحها.
وذكر الحويطي لـ "وكالة سند للأنباء" أنّ الشركات العشرة التي لا تدفع ليرة واحدة لقاء توريدها للبضائع، تحصل على مبالغ مالية تصل لـ 250 ألف دولار وأكثر.
وأوضح أن هذه الآلية يتحكم فيها الاحتلال الذي يرفض التعامل مع الغرفة التجارية؛ وحيّدها بشكل كامل عن التعامل بالطرق التجارية ويتعامل فقط مع الشركات الأربع.
ويكشف الحويطي أن جمعيات خيرية مرخصة في أمريكا، تبيع هي الأخرى تنسيقات لشركات بغزة لقاء أثمان باهظة.
ويضيف: "هذه الجمعيات التي تدعي أنها تساعد شعبنا؛ تعمل على بيع التنسيقات".
ويشير إلى أن "البضائع التي تدخل من الضفة تأتي من تنسيق هذه الجمعيات؛ والبضائع التي تدخل من إسرائيل تأتي عبر الشركات العشرة".
ويبين أنّ هذا الأمر يعبّر عن حالة الاحتكار والتدمير الذي يتعرض له القطاع الخاص؛ والمواطن معا في ظل سياسة اقتصادية يتعمد الاحتلال فيها تركيز الاقتصاد على فئة محتكرة؛ لاستغلال المواطنين.
ويلفت "الحويطي" النظر إلى أن من يتحكم بالأسعار هي الشركات العشرة؛ والتنسيقات التي تحصل عليها.
