في الوقت الذي تتعالى فيه تكبيرات العيد في الخارج، يغرق الأسرى خلف القضبان في صمتٍ ثقيل، حيث يُصادر الفرح وتُحاصر أبسط مظاهر الحياة.
خلف أسوار السجون، لا يأتي العيد بملامحه المعهودة، بل يتسلل كذكرى بعيدة يستحضرها الأسرى في مخيلتهم، بعدما حُرموا من شعائره وطقوسه وحتى من معرفة موعده.
عيدٌ بلا أذان، بلا لقاء، وبلا دفء العائلة؛ يومٌ آخر من القهر، يحاول فيه الأسرى انتزاع لحظات إنسانية من بين جدران العزل والحرمان.
فخلال عامي حرب الإبادة في قطاع غزة، عاش الأسرى في سجون الاحتلال 4 أعياد إسلامية، وها هم يعيشون عيدهم الخامس، في وقت يُحرموا فيه من ممارسة أبسط شعائرهم الدينية المرتبطة بالعيد.
الأسير المحرر الصحفي عامر أبو عرفة، الذي خاض تجارب اعتقالية عدة وعايش 14 عيدًا داخل السجون خلال 9 سنوات، يؤكد أن أجواء العيد داخل السجون تبدلت بالكامل في العامين الأخيرين، ولم تعد كما كانت سابقًا.
ويقول "أبو عرفة"، الذي أمضى في اعتقاله الأخير عامين وعاش الأعياد الأربعة التي واكبت السجون خلال الحرب، إن الاحتلال يستغل الأعياد لزيادة جرعة القهر والتنكيل بالأسرى، عبر تصعيد الاقتحامات وتفتيش الغرف دون سبب، سوى محاولة التنغيص عليهم.
ويوضح لـ "وكالة سند للأنباء" أنه قبل الحرب كانت زيارات الأهل والتواصل عبر الهاتف تخفف عن الأسرى ألم السجون والبعد عن الأهل والأحباب.
ويضيف: "كان لدينا أجهزة تلفزيون وراديو نعرف من خلالها بداية شهر رمضان وموعد العيد، ونسمع رسائل الأهل، أما الآن فالسجون مقطوعة عن العالم كله، ولا يعرف الأسرى متى يبدأ رمضان ومتى ينتهي".
ويلفت "ضيف سند" إلى أن كثيرًا من الأسرى لم يزرهم المحامي منذ شهور طويلة، وهو ما ينعكس على التواصل مع الأهل، حتى إن بعضهم لا يعرف حتى ملامح أبنائه الجديدة.
شعائر ممنوعة..
إجراءات إدارة السجون لم تترك حتى العبادات والشعائر الدينية؛ فالصلاة الجماعية، والتكبيرات، ورفع الأذان، وكل الشعائر الجماعية المرتبطة بالعيد، ممنوعة منعًا باتًا.
وحتى تبادل التهاني ومعانقة الأسرى لبعضهم البعض أصبحت من المحظورات التي تترتب عليها عقوبات جماعية.
ويقول أبو عرفة: "سابقًا كنا نعد الحلويات من المواد البديلة المتوفرة في السجن، لكن الآن كل هذا غير متاح، وبالكاد يستطيع الأسير الحصول على وجبة طعام غير مشبعة".
ويبين أن الطعام المقدم للأسرى لم يتحسن منذ سنتين، بل تراجع كمًّا ونوعًا، وهو ما يتجلى في أجساد الأسرى التي أصابها الهزال.
وفي العيد، ينشغل تفكير الأسرى بالأهل والأقارب وصلة الرحم، ما يزيد من ألمهم النفسي، إذ لا يعلمون كيف أمضى أهلهم العيد في ظل الظروف الصعبة.
ومع انعدام وسائل الترفيه داخل السجون، يبحث الأسرى عن أي وسيلة لتلطيف الأجواء والخروج من الحالة القاسية.
ويشير ضيفنا إلى أن الأسرى يقتنصون لحظات ابتعاد السجانين عن الغرف لتبادل الحديث والتهاني عبر النوافذ الخلفية، وأحيانًا يلقي أحدهم كلمة أو موعظة أو آية لرفع المعنويات والتخفيف من الآلام.
ويكمل: "في غرفتنا كنا محظوظين بوجود أسير منشد، فكان ينشد لنا بعض الأناشيد في العيد".
ومن بين وسائل التخفيف، يجلس الأسرى -وهم من مختلف المناطق الفلسطينية- ليتبادلوا الحديث عن عاداتهم الاجتماعية في العيد، كلٌّ بحسب منطقته.
ويقول "ضيف سند" إن هذه الذاكرة "تحطم الحديد وتنطلق بالأسرى إلى الخارج، فيعيشون أجواء مختلفة عن السجن، ويقتنصون لحظات فرح وسط هذه الظروف الصعبة".
يوم كأيّ يوم..
تتفاوت ظروف الأسر من سجن لآخر، لكن القاسم المشترك بينها هو القمع والتنكيل والحرمان، وهو ما يفقد العيد بهجته.
ويؤكد الأسير المحرر سامي الساعي من طولكرم، لـ "وكالة سند للأنباء" أنه لا مجال للمقارنة بين الأعياد داخل السجون في السنوات السابقة وتلك التي عاشها الأسرى خلال السنتين الأخيرتين، إذ تبدلت الأوضاع، وأصبح يوم العيد يمر كأي يوم عادي دون أي مظاهر تميّزه.
ويشير الساعي، الذي خاض 3 تجارب اعتقالية، منها 16 شهرًا خلال الحرب على غزة، إلى أن الأسرى كانوا سابقًا يفرحون بزيارات الأهل في العيد، ويشترون الحلويات من "الكانتين"، ويتبادلون الزيارات بين الغرف والأقسام، ويرتدون ملابس جديدة.
ويضيف: "كنا نتمتع بحرية ممارسة شعائرنا الدينية، من صلاة جماعية في الساحات وتكبيرات العيد".
لكن هذه المظاهر اختفت خلال عامي الحرب، وانتهت الحرية الدينية، وأصبح صوت الأذان لا يتجاوز جدران الغرفة، وبشرط عدم وجود السجان.
ويتابع: "حتى أثناء ممارستنا لشعائرنا الدينية، يتم التنكيل بنا ورشّنا بالغاز، فيتحول المشهد من روحاني إلى معاناة وتعب وإرهاق".
ويشرح الساعي كيف أن الانقطاع الكامل عن العالم الخارجي حرم الأسرى من معرفة يوم العيد وبداية شهر رمضان، فباتوا يقدّرونه تقديرًا.
حلوى "كذابة"!..
وفي ظل حالة التجويع التي تفرضها إدارة السجون، يُحرم الأسرى من أي نوع من الحلويات، إذ لا تتوفر لديهم الإمكانات لإعدادها، ويعتمدون كليًا على ما تقدمه الإدارة من طعام قليل ورديء.
ويروي "ضيف سند" كيف تمكن من إعداد ما وصفه بـ "حلوى كذابة" خلال العيد.
ويقول إنه جمع ملعقة مربى من وجبات أسبوع كامل، وخلطها مع نصف كوب صغير من طحينية الفستق، ثم دهن بهذا المزيج شرائح الخبز، ليكون ذلك أقصى ما يمكن أن يتحلى به الأسير.
ورغم أجواء الخوف والترهيب داخل السجون، يحاول الأسرى انتزاع لحظات فرح عبر ترديد تكبيرات العيد بصوت خافت تجنبًا للعقاب.
ويؤكد الساعي أن تفكير الأسير ينشغل في العيد بالزوجة والأبناء إن كان متزوجًا، أما إن كان أعزبًا فيتجه تفكيره نحو والديه وأفراد عائلته وأصدقائه.
ويختم بالإشارة إلى أن أبرز أمنيات الأسرى ودعواتهم خلال فترة اعتقاله كانت وقف الحرب على غزة، إلى جانب الأمل الشخصي لكل أسير بنيل حريته قريبًا ولقاء أهله وأحبائه.
