سلطت مجلة فورين بوليسي الأمريكية الضوء على الثمن الذي تدفعه دولة الاحتلال الإسرائيلي مقابل حروبها حيث أدى القتال على جبهات متعددة إلى إرهاق جيشها واقتصادها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة في وقت يخيم مستقبل غامض لتل أبيب من حروب لا تنتهي.
وبحسب المجلة فإنه عندما بدأ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير الماضي، بدت دولة الاحتلال وكأنها القوة الإقليمية التي ادعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنها هي ولم يكن هناك ما يدعو للشك في ذلك.
فعلى مدى العامين والنصف الماضيين، بدت دولة الاحتلال وكأنها قد هزمت أعدائها وكانت تروج أن العدوان على إيران بوصفه حرب تنهي جميع الحروب، وضربة قاضية للقضاء على التهديد النووي والصاروخي الباليستي الإيراني.
وبعد ستة أسابيع، تراجعت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل خطير، وانهار اقتصادها، ودُمّرت بنيتها التحتية الرئيسية، ولقي معظم قادتها السياسيين والعسكريين حتفهم. لكن الأهداف التي وضعها نتنياهو وترامب عند إطلاق العملية لم تتحقق بعد: فالنظام لا يزال في السلطة، ويمتلك يورانيوم مخصب، ويُقال إنه يحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
والأخطر من ذلك كله، أن إيران أثبتت قدرتها على إغلاق مضيق هرمز. في غضون ذلك، أبدى حزب الله مقاومة أشدّ مما توقعته دولة الاحتلال، ولا يُبدي أي رغبة في نزع سلاحه.
وبينما يصوّر نتنياهو الحرب مع إيران على أنها نصر عظيم، إلا أنه يؤكد في الوقت نفسه أن المعركة لم تنتهِ بعد. فقد صرّح الأسبوع الماضي ردًا على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار: "لا تزال لدينا أهداف نسعى لتحقيقها، وسنحققها إما بالاتفاق أو باستئناف القتال... نحن على أهبة الاستعداد".
وتستند قوة دولة الاحتلال بشكل أساسي إلى ثلاثة أركان: قوتها العسكرية الهائلة، وقدرة اقتصادها وشعبها على تحمل تكاليف حروب متزايدة التكلفة ومفتوحة الأفق، وتحالفها مع الولايات المتحدة. وفي المجالات الثلاثة جميعها، استغل نتنياهو هذه الموارد إلى أقصى حد، ويبدو أنه يطالب بالمزيد.
إنجازات مكلفة وضغط متصاعد
على الصعيد التكتيكي البحت، حققت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية العديد من الإنجازات لكن بتكلفة باهظة من حيث الأسلحة والقوى البشرية والأموال.
وبحسب تقديرات بنك إسرائيل، فقد كلفت الحروب السابقة، حتى قبل بدء الحرب الحالية على إيران ولبنان، الاقتصاد الإسرائيلي البالغ 660 مليار دولار حوالي 116 مليار دولار في الإنفاق الدفاعي المباشر. أما تكلفة الهجوم الحالي على إيران فهي محل جدل، لكن التقديرات تتراوح بين 11 و18 مليار دولار.
وحتى لو انتهت العمليات العسكرية في إيران ولبنان قريبًا، ستظل التكاليف الإسرائيلية مرتفعة. ويواصل الجيش نشر قواته في نصف قطاع غزة وفي مساحات واسعة من جنوب سوريا. كما تم إرسال المزيد من الجنود إلى الضفة الغربية لحماية عشرات المستوطنات الجديدة.
وبينما وافق نتنياهو على مضض على المفاوضات مع لبنان، فقد تحدث أيضًا عن إنشاء ما يسمى بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان، الأمر الذي سيتطلب وجودًا عسكريًا أكبر. ولم يُبدِ أي رغبة في الانسحاب من أي مكان، قائلاً الشهر الماضي: "لقد غيرنا مفهومنا الأمني. نحن من يهاجم ويبدأ، ونحن من يفاجئ أعداءنا".
وتتعامل الحكومة الإسرائيلية مع الجيش وكأن موارده غير محدودة، فتدعوه لشنّ هجمات جديدة وتوسيع نطاق احتلاله. لكنها لم تفعل شيئًا لضمان وجود عدد كافٍ من الأفراد لتغطية هذه العمليات. ولا تزال مشاريع القوانين الرامية إلى تمديد الخدمة الإلزامية أو إنهاء الإعفاء من التجنيد الإجباري الذي يتمتع به المتشددون دينيًا معلقة.
ويتم استدعاء جنود الاحتياط لفترات طويلة للغاية لسدّ النقص. وقد أفادت التقارير أن رئيس الأركان إيال زامير حذّر وزراء الحكومة الشهر الماضي من أن الجيش سينهار على نفسه وسط نقص في القوى العاملة يصل إلى حوالي 15 ألف جندي.
أما فيما يتعلق بالعتاد، فإن مخزونات الجيش ومدى استهلاك المعدات تُعتبر من الأسرار التي تُحاط بسرية تامة، لكن تظهر بين الحين والآخر مؤشرات على وجود مشاكل، لا سيما في توريد الصواريخ الاعتراضية.
الاقتصاد الإسرائيلي: قدرة على الصمود بثمن مرتفع
على مدى العشرين عامًا الماضية، أظهر الاقتصاد الإسرائيلي مرونةً ملحوظةً في مواجهة الحروب المتكررة. ولم تكن الحروب الأخيرة استثناءً، إذ تعافى النشاط الاقتصادي بسرعة رغم الانكماشات المؤقتة. واستمر النمو حتى مع ارتفاع الإنفاق العسكري، ليصبح من بين الأعلى عالميًا.
ويعود ذلك جزئيًا إلى قدرة الشركات والعمال على التكيف، إضافة إلى استقرار المالية العامة، ودور قطاع التكنولوجيا المتقدمة وإنتاج الغاز الطبيعي، إلى جانب المساعدات الأمريكية التي بلغت نحو 22 مليار دولار منذ اندلاع حرب الإبادة في غزة.
لكن هذه القدرة على التحمل تواجه اختبارًا صعبًا. فالحكومة الإسرائيلية تموّل الحرب عبر الاقتراض بدلاً من زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق المدني، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام من 60% إلى نحو 70.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2026.
كما يخطط نتنياهو لزيادة الإنفاق العسكري إلى مستويات مرتفعة، ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد ويؤثر على الإنفاق الاجتماعي.
الولايات المتحدة: دعم غير مسبوق… لكنه قد لا يدوم
وفّرت الحرب دعماً عسكرياً ومالياً ودبلوماسياً أمريكياً غير مسبوق لإسرائيل، خاصة خلال المواجهة مع إيران، إلا أن هذا الدعم قد يمثل ذروة العلاقة وليس وضعاً دائماً.
فقد بدأت تداعيات الحرب تنعكس سياسياً داخل الولايات المتحدة، مع تراجع صورة دولة الاحتلال لدى الرأي العام، خاصة بين الشباب والديمقراطيين، بل وحتى داخل بعض الأوساط الجمهورية.
وأظهر استطلاع أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي، مقارنة بـ42% في عام 2022.
كما بدأت أصوات داخل التيار المحافظ تشكك في جدوى الحرب، معتبرة أن التدخل الأمريكي يخدم مصالح إسرائيل أكثر من المصالح الأمريكية، وهي توجهات لا تزال محدودة لكنها آخذة في التوسع.
ورغم أن جميع مكونات القوة الإسرائيلية الثلاثة تبدو هشة بشكل متزايد، إلا أن نتنياهو يتصرف وكأن الأمور تسير كالمعتاد. ويرى منتقدون أن عليه استثمار الإنجازات العسكرية للتوصل إلى تسويات دبلوماسية، لكنه لا يُبدي ثقة في هذا المسار.
وتكمن المعضلة في أن التفوق العسكري لم ينجح في إخضاع الخصوم، حيث لا تزال القوى المعادية قادرة على الاستمرار والمقاومة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو دولة الاحتلال متجهة نحو مستقبل غامض من حروب مفتوحة وممتدة، في وقت تتآكل فيه مواردها تدريجياً، ويتراجع فيه الدعم الدولي، ما يضعها أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق.
لقراءة نص التقرير كاملا على فورين بوليسي أضغط هنا
