يتعرض المزارعون في الضفة الغربية لعملية تدمير ممنهجة لسبل عيشهم، في ظل تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما أدى إلى جعل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية غير قابلة للوصول، وتدمير المحاصيل، ورفع أسعار المنتجات الزراعية، وتقويض نمط حياة كامل.
ويقول المزارع الفلسطيني إياد يوسف من قرية الطيبة شرق رام الله، إنه اضطر هذا العام إلى ترك أرضه الأصلية بسبب تهديدات المستوطنين الذين يقومون بدوريات مستمرة في المنطقة، ما جعل الوصول إلى الأرض خطراً وغير ممكن.
ويوضح: "استأجرت أرضاً من شخص آخر هذا العام، لكن الأمر ليس عقداً مكتوباً أو ما شابه، بل اتفاق شفهي. إذا قرر المالك بيع الأرض في أي وقت، فسأخسر استثماري".
وكان يوسف، وهو أب لثلاثة أبناء ويعمل أيضاً ميكانيكياً، يعتمد على الزراعة الموسمية كمصدر دخل رئيسي، حيث يزرع البازلاء والعدس والخيار والبصل، إلا أن الموسم الحالي جاء مختلفاً بالكامل في ظل القيود الأمنية وتصاعد العنف.
معدلات قياسية لهجمات المستوطنين
ارتفعت الهجمات التي تنفذها جماعات المستوطنين ضد المزارعين الفلسطينيين بشكل كبير من حيث العدد ومستوى العنف منذ أكتوبر 2023، ما ألحق أضراراً مباشرة بالمزارعين، وأثر بشكل أوسع على الاقتصاد الفلسطيني، خاصة في المناطق الريفية.
وبحسب إحصائيات رسمية نفّذ المستوطنون أكثر من 8000 هجوم منذ ذلك التاريخ، فيما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن القوات الإسرائيلية هدمت أكثر من 1000 منشأة زراعية خلال عام 2025 وحده، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية حتى لدى من لم يتعرضوا للهجمات بشكل مباشر.
ولم يكن هذا الواقع قائماً في السابق، إذ كان القطاع الزراعي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الفلسطيني، قبل أن يتحول تدريجياً تحت وطأة السياسات الإسرائيلية، حيث أصبح معظم القمح المستخدم في صناعة الخبز مستورداً بعد أن كانت فلسطين توصف تاريخياً بأنها "بحيرة خضراء من القمح المتموج".
ويستعيد يوسف تجربته الشخصية قائلاً إنه فقد الوصول إلى أراضي عائلته منذ عام 2000 مع توسع المستوطنات، مشيراً إلى أن عائلته خسرت نحو 20 دونماً من الأراضي التي استولى عليها المستوطنون أو أصبحت غير قابلة للوصول.
تهجير قسري واسع للمزارعين
تفاقم الوضع بعد بدء حرب الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر 2023، حيث اضطر حتى السكان البدو الذين كانوا يستخدمون الأراضي للرعي إلى الرحيل، فيما باتت المساحات الزراعية المتاحة محدودة للغاية، ما دفع العائلات إلى تقاسم مساحات صغيرة لا تتجاوز بضعة دونمات.
ويؤكد جمال جمعة، رئيس حملة "أوقفوا الجدار"، أن ما يحدث في الضفة الغربية يتبع نموذجاً واضحاً يهدف إلى تفريغ الأراضي الزراعية، مشيراً إلى أن تربية الماشية كانت أول القطاعات المتضررة، مع فقدان الأراضي الرعوية، وهو ما انعكس في تضاعف أسعار اللحوم منذ عام 2023.
ويمتد التأثير إلى قطاع الزيتون، الذي يعد العمود الفقري للزراعة الفلسطينية، إذ يعتمد عليه نحو 100 ألف أسرة. وقد انخفض إنتاج زيت الزيتون من 23 ألف طن في 2022 إلى 10 آلاف طن في 2023، ثم إلى 8 آلاف طن في العام التالي، نتيجة مصادرة الأراضي وعنف المستوطنين والقيود العسكرية والظروف المناخية.
كما أن اقتلاع الأشجار أصبح أداة عقابية، حيث جرفت القوات الإسرائيلية أكثر من 10 آلاف شجرة زيتون في إحدى القرى عام 2025، في إطار ما وصفته بإجراءات الردع.
وقد انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار المنتجات الزراعية بشكل ملحوظ، إذ وصل سعر كيلو البازلاء إلى عشرة شواقل، فيما يواجه المزارعون تكاليف إنتاج مرتفعة تجعل من الزراعة نشاطاً غير مربح في كثير من الحالات.
ويقول يوسف إن تكلفة البذور وحدها تبلغ 250 شيكلاً، ما يفرض عليه بيع كميات كبيرة لتغطية التكاليف، مضيفاً أن العائد الفعلي من الموسم قد لا يتجاوز توفير الطعام لعائلته، بدلاً من تحقيق دخل.
ويعكس واقع المزارعين في الضفة تحوّلاً عميقاً في بنية الاقتصاد الريفي، حيث أدى العنف الاستيطاني والسياسات المصاحبة له إلى تقليص المساحات الزراعية، ورفع التكاليف، وتقويض الاستدامة، ما يهدد الأمن الغذائي ويعيد تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
