يعيش سكان قطاع غزة واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية، بعدما تحوّل انخفاض العملة الأميركية من فرصة لتخفيف الأعباء إلى عامل يستنزف المدخرات ويعمّق الركود، رغم التراجع الحاد في سعر صرف الدولار مقابل الشيكل خلال مايو/أيار الجاري.
وقال الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، إن المنطق الاقتصادي التقليدي يفترض أن يؤدي تراجع الدولار إلى انخفاض تكلفة الاستيراد وتراجع الأسعار وتحسن القدرة الشرائية.
وأكد في تصريحات تابعتها "وكالة سند للأنباء"، أن ما يجري في قطاع غزة يمثل نموذجاً مختلفاً تنفصل فيه النتائج الواقعية عن القواعد النظرية بسبب تعقيدات الاقتصاد المحلي والقيود المفروضة عليه.
وأوضح أبو قمر أن السوق في غزة يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، أبرزها ضعف المنافسة وتعدد العملات وعدم استقرار سلاسل الإمداد، ما يخلق حالة من تشوّه انتقال الأسعار.
وبيّن أن آثار انخفاض سعر الصرف لا يصب إلى المستهلك النهائي، بينما ترتفع الأسعار بسرعة عند أي زيادة في التكاليف وتتباطأ بشدة أو تتوقف عند الانخفاض.
وأشار أبو قمر، إلى أن تراجع الدولار لا ينعكس بصورة عادلة على مختلف الفئات داخل المجتمع، إذ قد تستفيد بعض الأطراف المرتبطة بالتجارة أو التسعير المرن.
في حين تتآكل القيمة الحقيقية للدخول والمدخرات المقومة بالدولار، الأمر الذي يضغط على مستويات الاستهلاك ويعمّق الركود الاقتصادي.
وأضاف أن المساعدات والتدفقات المالية الخارجية المقومة بالدولار فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية عند تحويلها إلى الشيكل داخل سوق يعاني من تضخم وارتفاع متسارع في الاحتياجات الأساسية.
وبيّن أبو قمر أن ما يحدث يكشف عن خلل مزدوج يتمثل في بنية السوق وآليات انتقال الأثر النقدي، ما يجعل أي تحسن نظري في سعر الصرف يتحول عملياً إلى عبء إضافي على السكان.
وأكد أن استقرار الاقتصاد لا يرتبط فقط بالمؤشرات الكلية بل بقدرة النظام الاقتصادي على ترجمتها إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين.
وسجل الدولار خلال الأسبوع الأول من مايو تراجعاً ملحوظاً ليستقر دون حاجز الثلاثة شواكل، إذ بلغ سعر الصرف في 7 مايو/أيار 2026 نحو 2.91 شيكل.
فيما سجل الدينار الأردني 4.10 شيكل، بينما بلغ الدولار في 6 مايو 2.94 شيكل وفق بيانات سلطة النقد الفلسطينية، بعد أن افتتح الشهر عند حدود 2.95 شيكل بحسب تداولات السوق المحلي.
ووفقاً لتقديرات خبراء اقتصاديين، يعاني سوق غزة من ظاهرة الأسعار اللزجة نزولاً، حيث ترتفع الأسعار فوراً عند زيادة التكاليف، لكنها لا تنخفض بالوتيرة ذاتها عند تراجع سعر الصرف، وهو ما أبقى أسعار السلع الأساسية عند مستويات مرتفعة رغم هبوط الدولار.
وتسببت الأزمة في تآكل دخول الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، إذ فقدت هذه الرواتب ما بين 25 إلى 30 % من قيمتها الفعلية مقارنة ببداية الأزمة.
وأصبح الراتب الذي كان يعادل نحو 4000 شيكل لا يتجاوز اليوم 2940 شيكلاً تقريباً، دون أي انخفاض موازٍ في أسعار السلع والخدمات.
