تهادت جموع حجاج بيت الله الحرام إلى مشعر مِنى، مع إشراقة اليوم الإثنين، الثامن من ذي الحجة، إيذاناً ببدء مناسك الحج لهذا العام (2026م – 1447هـ)، في مشهد إيماني مهيب تفيض فيه الأرواح خشوعًا والقلوب في رحلةٍ تتجلى فيها معاني الإيمان والوحدة والتجرد لله تعالى.
وبين تلبيةٍ تتردد في الأرجاء ودعواتٍ تعانق السماء، يمضي الحجاج نحو المشاعر المقدسة بخطى يملؤها الشوق والرجاء، مستشعرين عظمة تأدية الركن الخامس من أركان الإسلام.
ويُطلق على اليوم الثامن من ذي الحجة "يوم التروية" حيث يقضيه الحجاج في مِنى، أولى محطات الحج، اقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مرددين التلبية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
ويؤدي الحجاج هناك الصلوات قصرا دون جمع، قبل التوجه إلى صعيد عرفات بعد طلوع شمس اليوم التاسع من ذي الحجة.
ويتجه الحجاج إلى مشعر "منى" في يوم التروية، ويعودون إليه يوم النحر وأيام التشريق، بوصفه أول المشاعر المقدسة التي يقصدونها في مكة المكرمة، وهو وادٍ لا يسكن طوال العام إلا في موسم الحج.
وسُمّي يوم التروية بذلك لأن الحجاج كانوا يرتوون فيه من الماء بمكة ويخرجون به إلى مِنى وعرفات ليكفيهم حتى اليوم الأخير من أيام الحج.
وتقع "منى" بين مكة المكرمة ومزدلفة، على بُعد نحو 7 كيلومترات من المسجد الحرام، داخل حدود الحرم، وتبلغ مساحتها بحدودها الشرعية نحو 16.8 كيلومتراً مربعاً، وتتشكل من وادٍ تحيط به الجبال شمالاً وجنوباً، تحدّه جمرة العقبة من جهة مكة، ووادي محسر من جهة مزدلفة.
وعند المساء، تتحول مِنى إلى لوحة إنسانية نابضة، تضيئها حركة الحجاج، حيث تتلاقى لغات الأرض تحت نداء موحد، "لبيك اللهم لبيك".

استعداد منظم..
وتتجلى في مكة المكرمة خلال يوم التروية واحدة من أضخم عمليات التنظيم الموسمي عالميا، حيث تتحول مِنى إلى مدينة متكاملة البنية والخدمات خلال زمن قياسي، تستوعب أكثر من مليونين من ضيوف الرحمن ضمن منظومة تشغيلية محكمة تؤمّن أداء المناسك بسلاسة وطمأنينة.
ومع بدء التصعيد إلى المشاعر المقدسة، اكتملت استعدادات النقل في واحدة من أكبر عمليات التفويج الموسمية، بعد أن أنهت النقابة العامة للسيارات إجراءات التسجيل لـ73 منشأة، للدفع بما يقارب 24 ألفاً و334 حافلة، خُصصت لنقل الحجاج بين مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
وتواصل منظومة الحج السعودية تنفيذ خطط التصعيد والنقل عبر شبكة متكاملة من الحافلات وقطار المشاعر، حتى يكتمل وصول الحجيج إلى صعيد عرفات، استعداداً للوقوف بعرفة في ركن الحج الأعظم.
وأفادت وكالة الأنباء السعودية "واس"، أن الجهات المعنية تنفذ خططها التشغيلية المتكاملة لموسم الحج، من خلال "تكثيف أعمال التنظيم والتوجيه وإدارة الحشود، إلى جانب توفير الخدمات الصحية والإسعافية وخدمات النظافة والتعقيم والإرشاد المكاني، بما يسهم في تعزيز راحة ضيوف الرحمن والمحافظة على سلامتهم داخل المسجد الحرام وساحاته".
وبحسب الوكالة "أسهمت المنظومات التقنية الحديثة والخدمات الرقمية في تسهيل حركة الحجاج وإرشادهم إلى المواقع والخدمات المختلفة، إضافة إلى دعم الفرق الراجلة والنقاط الإرشادية التي تعمل على توجيه الزوار ومساعدتهم بعدة لغات، بما يعكس مستوى التكامل بين مختلف القطاعات المشاركة في خدمة الحرمين الشريفين".
وفي تطور متصل، أعلنت المملكة رفع الطاقة الاستيعابية لمشعر مِنى عشية بدء المناسك، عبر تنفيذ أكثر من 25 مشروعا تطويريا، شملت تجهيز أكثر من 54 ألف مخيم والتوسع في مبادرة "المشاعر الخضراء" بزراعة ما يزيد على 60 ألف شجرة، إضافة إلى إطلاق برامج توعوية متعددة اللغات نُشرت ضمنها 630 ألف مادة تثقيفية.
وكانت أولى طلائع الحجاج قد وصلت إلى مِنى مساء الأحد، وقد تجاوز عدد الحجاج القادمين من خارج المملكة 1.5 مليون حاج، في موسم يمتد ستة أيام، يبدأ بيوم التروية ويبلغ ذروته بالوقوف بعرفة، ثم تُستكمَل بقية المناسك.
قلوب تتلهف.. وحرمان يتواصل..
بينما تتجه أنظار ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة، حيث تتعالى أصوات التلبية وتكتسي المشاعر المقدسة بأبهى صور الإيمان والخشوع، يقف أهالي قطاع غزة للعام الثالث على التوالي خلف أبوابٍ مغلقة، محرومين من حقهم في أداء فريضة الحج والوصول إلى بيت الله الحرام.
ففي بقعةٍ أنهكتها الحرب والحصار والفقد، لا يحمل الغزيون حقائب السفر البيضاء كما يفعل الحجاج، بل يحملون وجع الانتظار الطويل، وحسرات أمنياتٍ تتبدد مع كل موسم حج يمر دون أن يُكتب لهم العبور.
وتحرم سلطات الاحتلال الإسرائيلي حجاج قطاع غزة من أداء فريضة الحج للعام الـ 3 تواليًا، جراء استمرار حرب الإبادة الجماعية وإغلاق معبر رفح البري.
وتسببت الحرب العدوانية على غزة بتدمير الشركات والبنية التحتية نتيجة استهدافها المباشر بالقصف الجوي والمدفعي، تزامنًا مع تشديد الحصار على القطاع ومنع تنقل المواطنين خارجه.
