تواجه الحكومة ووزارة المالية الفلسطينية عجزاً خانقاً جراء العمل بـ 10% فقط من مجمل الأموال والإيرادات المستحقة لها، في ظل واحدة من أعقد الأزمات المالية غير المسبوقة تاريخيا.
وأوضح مدير مركز الاتصال الحكومي، محمد أبو الرب، بتصريحات تابعتها "وكالة سند للأنباء"، اليوم الأحد، أن هذا الشلل المالي يأتي نتاج استمرار الاحتلال في قرصنة واحتجاز أموال المقاصة بالكامل منذ نحو عام ونصف، بالتزامن مع تراجع حاد بالإيرادات المحلية بسبب الإغلاقات والكساد الاقتصادي.
وتظهر البيانات الرسمية فجوة هائلة في المصاريف التشغيلية الشهرية على النحو التالي: عائدات الخزينة الحالية والتي تتراوح بين 220 إلى 250 مليون شيكل شهرياً (وتصل بحدها الأقصى لـ 300 مليون شيكل)، بالإضافة إلى المصاريف والالتزامات الأساسية، التي تتجاوز سقف المليار و300 مليون شيكل دون احتساب الديون المتراكمة.
ونبّه "أبو الرب" إلى أن أموال المقاصة "المنهوبة" تمثل 68% من الدخل العام، وهي المحرك الأساسي لتغطية فواتير المستوردات الحيوية كالوقود والسلع الغذائية، لافتاً إلى أن القرصنة الإسرائيلية بدأت تدريجياً عام 2019 وتعمقت بعد أكتوبر 2023 وصولاً للتجميد الشامل.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق حرب اقتصادية معلنة يقودها وزير مالية الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش؛ لتقويض الكيان السياسي والمؤسساتي الفلسطيني، ودفع مدن الضفة الغربية نحو مربع الفلتان الأمني ووقف الخدمات الأساسية.
وحذر أبو الرب من ترك فراغ خدماتي للمواطنين، مستدلاً بنموذج قطاع غزة الذي يواجه حرب تجويع ممنهجة، وما يجري في بلدة "بيت أمر" بالخليل من نزاعات مسلحة يغذيها الاحتلال عبر منع تواجد الأمن الفلسطيني، كشاهد حي على شكل الفوضى التي يخطط الاحتلال لتعميمها.
وأمس السبت، قال وزير المالية والتخطيط في الحكومة الفلسطينية، استيفان سلامة، إن السلطة الفلسطينية تدير شؤونها الحالية بنحو 10% فقط من إيراداتها الإجمالية؛ نتيجة مواصلة الاحتلال الإسرائيلي قرصنة واحتجاز أموال المقاصة.
وأشار سلامة بتصريحات صحفية إلى أن قيمة أموال المقاصة المتراكمة التي تحتجزها "إسرائيل" بلغت نحو 5.7 مليار دولار، بما يمثل 68% من الدخل القومي.
وأوضح أن الوزارة تعتمد على 3 مصادر شحيحة لإدارة دفة الأزمة وتأمين أجزاء من الرواتب، وتتمثل في: الإيرادات المحلية، والمساعدات الخارجية الطارئة، والاقتراض من البنوك الذي وصلت الحكومة فيه لسقفها الأعلى كلياً.
والثلاثاء الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي، مراجعته المراحل الأخيرة لتحويل الدفعة المالية الثانية من رزمة الدعم لثلاث سنوات، والمخصصة لمساندة السلطة الفلسطينية ووكالة "أونروا".
ويُعد الاتحاد الأوروبي أحد أكبر المانحين الدوليين للشعب الفلسطيني وللموازنة العامة للسلطة. ويأتي تقديم المنح المالية الأوروبية مشروطاً -في كثير من الأحيان- ببرامج "إصلاح هيكلي وحوكمة" تشمل ترشيد النفقات، وإعادة هيكلة الوظائف العمومية، وتطوير المؤسسات.
وفي وقت سابق، أكد الاتحاد الأوروبي أن احتجاز "إسرائيل" لأموال المقاصة الفلسطينية يمثل خرقاً صريحاً للاتفاقيات الموقعة، ويهدف في جوهره إلى تقويض السلطة الفلسطينية.
وفي 27 أبريل/ نيسان المنصرم، قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، احتجاز أموال المقاصة، وعدم تحويلها إلى السلطة الفلسطينية، ضمن سياسة الاقتطاعات المستمرة منذ سنوات.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن إجمالي أموال المقاصة التي جُمعت خلال الشهر (أبريل 2026) تجاوزت 740 مليون شيكل، مشيرة إلى أنه تم اقتطاع نحو 590 مليون شيكل من أموال المقاصة، فيما تم تجميد المبلغ المتبقي وعدم تحويله.
وتُعد أموال المقاصة عائدات الضرائب المفروضة على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية، سواء عبر "إسرائيل" أو من خلال المعابر التي تسيطر عليها، حيث تقوم تل أبيب بجبايتها نيابة عن السلطة الفلسطينية.
ومنذ عام 2019، تقتطع "إسرائيل" مبالغ متفاوتة من هذه الأموال بذريعة مختلفة، ما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، التي تواجه صعوبات في دفع رواتب موظفيها بشكل كامل، إلى جانب تراكم ديونها للقطاع الخاص والبنوك.
