في كل أسبوعين، لا ينتظر مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة موعدًا طبيًا عاديًا، بل ينتظرون فرصة جديدة للبقاء على قيد الحياة.
وبين نقص وحدات الدم، وانعدام الأدوية، وإغلاق المعابر، تتحول رحلة العلاج إلى معركة يومية يخوضها مئات المرضى في مواجهة الموت البطيء، بينما ينهار النظام الصحي تحت وطأة الحرب المستمرة.
مرضى يتناقص عددهم
يقول أخصائي أمراض الدم هاني عايش، في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، إن قطاع غزة يضم حاليًا 237 مريضًا بالثلاسيميا، موزعين بين المحافظات الشمالية والجنوبية، بعدما كان عددهم قبل الحرب 343 مريضًا.
ويشير إلى أن 50 مريضًا فقدوا حياتهم منذ اندلاع الحرب، بينهم 20 استشهدوا نتيجة استهدافات الاحتلال الإسرائيلي، فيما توفي 30 آخرون بسبب نقص العلاجات والمضاعفات الصحية التي تعرضوا لها.
أزمة دم وأدوية
ويؤكد عايش أن أكبر التحديات التي تواجه مرضى الثلاسيميا تتمثل في عدم توفر وحدات الدم الطازجة، موضحًا أن هؤلاء المرضى يعتمدون على نقل الدم مدى الحياة، ويحتاجون إلى "كيس" دم كل أسبوعين.
وحذر أخصائي أمراض الدم من أن غياب وحدات الدم، يعني أن المريض لن يتمكن من الاستمرار في الحياة.
ولا تقتصر الأزمة على الدم فقط، إذ يوضح أن نقص فلاتر الدم التي تضمن نقل الدم الآمن يمثل تحديًا إضافيًا، إلى جانب النقص الحاد في الأدوية الطاردة للحديد.
ويبين أن نقل الدم المتكرر يؤدي إلى تراكم كميات كبيرة من الحديد داخل الجسم، وإذا لم تتوفر الأدوية المخصصة لطرده، فإنه يترسب في القلب والبنكرياس وأعضاء حيوية أخرى، ما يتسبب في مضاعفات خطيرة قد تنتهي بوفاة المريض.
منظومة صحية منهكة
ويضيف عايش أن مرضى الثلاسيميا يواجهون كذلك نقصًا حادًا في الكوادر الطبية، إذ لا يوجد في قطاع غزة سوى طبيبين متخصصين في أمراض الدم، لخدمة 2.5 مليون مواطن في القطاع.
وفاقم تدمير البنية التحتية للمستشفيات، وإغلاق المعابر، ومنع المرضى من السفر لتلقي العلاج، من حجم الأزمة، خاصة للحالات التي تحتاج إلى رعاية متقدمة خارج القطاع.
نموت ببطء
المريضة ولاء مصلح تصف واقعها بمرارة، قائلة لـ"وكالة سند للأنباء"، إن النقص المستمر في فلاتر الدم ووحداته جعل حياة المرضى مأساوية.
وتضيف: "عندما تتوقف تحويلاتنا الطبية لا يبقى أمامنا أي خيار.. من حقنا أن نسافر ونتلقى العلاج بشكل صحيح، فلا يوجد علاج لنا في غزة".
وتتابع بصوت يختصر معاناة مئات المرضى: "إحنا بنموت بالبطيء... إحنا مهمشين".
ويُعد الثلاسيميا اضطرابًا وراثيًا مزمنًا في الدم، يحتاج المصابون به إلى نقل الدم بصورة منتظمة كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع للحفاظ على مستوى الهيموغلوبين ومنع المضاعفات الخطيرة.
غير أن عمليات نقل الدم المتكررة تستلزم استخدام أدوية طرد الحديد بشكل دائم، لحماية القلب والكبد والغدد الصماء من التلف الناتج عن تراكم الحديد داخل الجسم.
وتأتي هذه المعاناة في ظل الأزمة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتسببت الحرب في نزوح نحو 90% من السكان، بالتزامن مع حصار مشدد وقيود على إدخال الغذاء والدواء والوقود، الأمر الذي أدى إلى انهيار المنظومة الصحية وتفاقم المجاعة وانتشار الأمراض، ليجد مرضى الثلاسيميا أنفسهم في مواجهة خطر لا يقتصر على المرض، بل يمتد إلى فقدان أبسط مقومات البقاء.
