في كل ساعة تمر داخل أقسام غسيل الكلى في مستشفيات قطاع غزة، يقترب مئات المرضى خطوة إضافية من الموت، ليس بسبب مرض جديد، بل بسبب نفاد مادة طبية لا يتجاوز ثمنها دولاراً واحداً.
وبينما تتعالى أصوات أجهزة الغسيل بصعوبة، تتراجع فرص الحياة لـ 650 مريضاً بالفشل الكلوي، بعدما تحولت جلساتهم العلاجية إلى سباق مع الوقت، في ظل عجز المستشفيات عن توفير مادة "البيكربونات" الأساسية لاستمرار العلاج.
حياة 650 مريضاً على المحك
أطلق مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، تحذيراً عاجلاً من النفاد التام لمادة "البيكربونات" (بيكربونات الصوديوم الطبية).
وأكد أن الأزمة تهدد حياة نحو 650 مريضاً بالفشل الكلوي في قطاع غزة، وتجبر المستشفيات على تقليص جلسات الغسيل الكلوي بصورة غير مسبوقة.
وأوضح أبو سلمية أن النقص الحاد دفع الطواقم الطبية إلى خفض مدة جلسة الغسيل من أربع ساعات إلى ساعتين ونصف فقط.
وأشار إلى تقليص عدد الجلسات الأسبوعية من ثلاث إلى جلستين لكل مريض، وهو إجراء اضطراري يهدد بتدهور الحالة الصحية للمرضى بصورة متسارعة.
وأكد أن مادة "البيكربونات" متوفرة عالمياً وبسعر زهيد لا يتجاوز دولاراً واحداً، إلا أن منع إدخالها إلى قطاع غزة تسبب في كارثة إنسانية حقيقية.
ووجه نداءً عاجلاً إلى المؤسسات الدولية والإنسانية للتدخل الفوري وضمان إدخالها مع بقية المستلزمات الطبية.
ويستقبل مجمع الشفاء الطبي وحده ما بين 250 و470 مريضاً يعتمدون بشكل كامل على جلسات الغسيل المنتظمة.
نصف أجهزة الغسيل توقفت عن العمل
وفي أحدث تحذيراتها، أعلنت وزارة الصحة أن نحو 50% من أجهزة غسيل الكلى في القطاع توقفت عن العمل بسبب نقص مستلزم طبي أساسي محذرة من تداعيات خطيرة قد تصل إلى وفاة مرضى الفشل الكلوي.
وأوضح رئيس قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي، الدكتور غازي اليازجي، أن قسم غسيل الكلى يواجه أزمة حادة نتيجة توقف عدد كبير من الأجهزة بسبب نقص مادة بيكربونات الصوديوم الضرورية لتشغيلها.
وأضاف أن 25 جهازاً خرجت عن الخدمة خلال الفترة الأخيرة، ولم يتبق سوى 26 جهازاً تعمل بشكل جزئي، ما فرض ضغطاً هائلاً على القسم، ودفع الطواقم الطبية إلى اتخاذ إجراءات طارئة.
وأكد اليازجي أن استمرار هذا النقص يهدد استقرار الخدمة الصحية، ويضع حياة مرضى الفشل الكلوي في دائرة الخطر.
وأشار إلى أن الوضع أدى إلى تدهور الحالة الصحية لنحو 240 مريضاً يعانون من قصور كلوي مزمن من الدرجة الخامسة، مع ارتفاع خطر المضاعفات القلبية والتنفسية التي قد تنتهي بالوفاة.
لم نعد نحتمل
وسط هذه الأزمة، ناشد مرضى الفشل الكلوي في مجمع الشفاء الطبي الجهات المختصة والمؤسسات الدولية التدخل العاجل لإعادة جلسات غسيل الكلى إلى مدتها الطبيعية، مؤكدين أن تقليصها انعكس بشكل مباشر على أوضاعهم الصحية.
وقالت المريضة ابتسام حتحت إن حالتها الصحية تدهورت بصورة كبيرة، مؤكدة أنها لم تعد تستطيع النوم ليلاً أو شرب الماء بسبب الحر الشديد، وتعاني باستمرار من ضيق في التنفس.
فيما أكد مرضى آخرون أن أوضاعهم الصحية تتراجع يوماً بعد آخر مع استمرار تقليص الجلسات.
لماذا تُعد "البيكربونات" شريان الحياة لمرضى الكلى؟
من الناحية الطبية، تُعد بيكربونات الصوديوم الطبية (Hemodialysis Grade Sodium Bicarbonate) عنصراً أساسياً لا يمكن إجراء جلسات الغسيل الكلوي بدونه.
فالكلى السليمة تتولى التخلص من الأحماض الزائدة والمحافظة على التوازن الحمضي والقاعدي في الجسم، لكن مرضى الفشل الكلوي يفقدون هذه القدرة بالكامل، ما يؤدي إلى الإصابة بما يعرف بـ"الحُماض الاستقلابي"، وهي حالة قد تكون قاتلة إذا لم تُعالج.
وتُخلط مادة البيكربونات مع الماء النقي والمحلول الحمضي داخل أجهزة الغسيل لإنتاج "السائل الدياليزي" (Dialysate)، المسؤول عن تنقية الدم وإعادة التوازن الكيميائي للجسم.
وبدون هذه المادة تصبح أجهزة غسيل الكلى عديمة الفائدة، حتى وإن كانت تعمل كهربائياً.
ويحذر الأطباء من أن تقليص جلسات الغسيل أو توقفها يؤدي سريعاً إلى تراكم السموم والسوائل داخل الجسم، وارتفاع حموضة الدم بصورة خطيرة.
ويؤدي تقليص الجلسات أيضا إلى اضطراب الأملاح، خاصة ارتفاع البوتاسيوم الذي قد يسبب توقف القلب بشكل مفاجئ.
ويواجه المرضى أعراضاً متفاقمة تشمل الإرهاق الشديد، وضيق التنفس، والتشنجات، وفشل وظائف الجسم الحيوية، فيما قد يؤدي انقطاع الغسيل الكامل لأيام قليلة فقط إلى الوفاة.
ولا تقف معاناة مرضى الكلى عند نفاد "البيكربونات"، إذ تعاني مستشفيات قطاع غزة أيضاً من نقص حاد في فلاتر الغسيل، وأنابيب نقل الدم، والكانيولات، والأدوية المساندة، إلى جانب أزمات الوقود وانقطاع الكهرباء.
