يشهد الاستيطان في الضفة الغربية تسارعًا غير مسبوق، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين، وتزامنًا اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، في ما يبدو محاولة لفرض وقائع على الأرض، رغم التوافق الإسرائيلي على الاستيطان كنهج استراتيجي للمشروع الإسرائيلي.
وبينما تتبدل الحكومات في تل أبيب، يواصل الاستيطان تقدمه بوصفه سياسة تحظى بتوافق واسع داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، وإن اختلفت أدوات تنفيذه ودرجة تسارعه من مرحلة إلى أخرى.
ومن المقرر إجراء انتخابات الكنيست الإسرائيلي يوم الـ 26 من أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
سياسة وبرامج متعاقبة..
ويرى مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في وسط الضفة، صلاح الخواجا، أن الاستيطان كان جزءًا أساسيًا من برامج جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967 دون استثناء، من خلال دعم المستوطنات وتوفير البيئة الأمنية للمستوطنين، مع اختلاف وتيرة التوسع تبعًا للظروف السياسية والميدانية.
ويوضح الخواجا في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات خطيرة، مستغلة تداعيات السابع من أكتوبر وانشغال العالم بالحرب على قطاع غزة، حيث سعى وزيرا المالية والأمن القومي الإسرائيليان، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى تنفيذ رؤيتهما القائمة على توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وتبنى سموتريتش منذ عام 2017، خطة يعتبرها فرصة تاريخية لتصفية القضية الفلسطينية، عبر شطب أي كيان سياسي فلسطيني وإضعاف السلطة الفلسطينية، إلى جانب ممارسة ضغوط متزايدة على التجمعات السكانية الفلسطينية بهدف تهجيرها وخلق حالة من عدم الاستقرار، وفقًا لـ "الخواجا".
ويبيّن، أنه بين عامي 1967 و2022 أُقيمت 176 مستوطنة في الضفة الغربية، تسيطر على نحو 8% من مساحة الضفة، إلا أن السنوات الثلاث والنصف الأخيرة شهدت إنشاء 103 بؤر استيطانية جديدة، أي ما يزيد على 70% من إجمالي ما أُقيم خلال العقود السابقة.
كما يجري الحديث عن الاعتراف بـ 62 مستوطنة إضافية، وهو ما اعتُبر تطورًا غير مسبوق يعكس برنامج حكومة بنيامين نتنياهو وسموتريتش وبن غفير للمرحلة المقبلة.
تحوّل سياسي وفكري..
ويضيف الخواجا، أن هناك تحوّلًا سياسيًا وفكريًا داخل "إسرائيل" في النظرة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إذ كانت توصف قانونيًا بأنها أراضٍ محتلة، ثم جرى الترويج لاحقًا لاعتبارها "أراض متنازع عليها"، بينما يتبنى سموتريتش اليوم خطابًا يعتبر الضفة الغربية "يهودا والسامرة"، ويصوّر الفلسطينيين على أنهم من يحتلون هذه الأرض، وفق الرؤية الأيديولوجية للحركة الصهيونية الدينية.
وتحظى هذه السياسات بدعم كامل من حكومة نتنياهو وقطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي، رغم أن نتنياهو كان طرفًا في اتفاقيات سابقة مع الفلسطينيين، من بينها اتفاق الخليل، تبعًا لـ "ضيف سند".
ويشدد على أن ما يجري اليوم يمثل امتدادًا وتطويرًا لمشاريع إسرائيلية قديمة بدأت منذ عام 1967، وعلى رأسها مشروع "ألون"، الذي استهدف تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى مناطق وكيانات معزولة، وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وضم القدس والسيطرة على الأغوار.
وينوّه إلى أن هذا المشروع تطور حاليًا إلى منظومة متكاملة من المستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية والمناطق الأمنية والتدريبات العسكرية، بهدف تحويل الضفة الغربية إلى مجموعة من المعازل والكانتونات، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.
مشروع سياسي استراتيجي..
من جانبه، يرى المختص بشؤون الاستيطان، جمال جمعة، أن تصاعد الزحف الاستيطاني في الضفة الغربية يأتي ضمن مشروع سياسي واستراتيجي مستمر منذ عام 1967، يهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية أو أي كيان فلسطيني مستقل، بالتوازي مع تعزيز مشروع ضم الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان.
ويلفت جمعة، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تسارعًا في تنفيذ هذا المشروع بشكل ملحوظ، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، ما جعل مستقبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، وحتى في مناطق (أ) و(ب)، أكثر تعقيدًا بسبب حالة الحصار الجغرافي والسياسي المفروضة عليهم.
ويوضح أن استهداف التجمعات الرعوية والبدوية والقرى الفلسطينية في تلك المناطق بدأ منذ عام 2020 تقريبًا، عبر التضييق المستمر ومحاولات التهجير، بما في ذلك منع تطوير البنية التحتية، وحرمان السكان من خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء والتعليم، الأمر الذي جعل ظروف الحياة أكثر صعوبة ودفع كثيرين إلى مغادرة مناطقهم.
كما لعبت البؤر الاستيطانية الرعوية دورًا بارزًا في هذه العملية عبر ممارسة الضغوط والاعتداءات على السكان الفلسطينيين، ما أدى إلى تهجير عشرات التجمعات السكانية، فيما لا تزال تجمعات أخرى تواجه ضغوطًا متواصلة تهدف إلى دفع سكانها للرحيل.
فرض وقائع يصعب تغييرها..
ويرى "جمعة" أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تسعى إلى تسريع تنفيذ هذه السياسات قبل أي استحقاقات انتخابية مقبلة، من خلال فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
كما يعتبر أن التغيرات التي شهدتها الأشهر الماضية تحمل طابعًا استراتيجيًا بعيد المدى، وليس مجرد إجراءات مؤقتة أو مرتبطة بظروف آنية.
ويؤكد أن المشروع الهادف إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية يحظى بإجماع واسع داخل التيارات السياسية الإسرائيلية المختلفة، وإن اختلفت أساليب التنفيذ ووتيرتها بين حكومة وأخرى، ما يجعل احتمالات التراجع عن هذه السياسات محدودة في المرحلة المقبلة.
تفاهمات أساسية داخل الائتلاف..
من جانبه، يرى المختص بالشأن الإسرائيلي، محمد أبو علان، أن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي لم يكن يومًا مرتبطًا فقط بقرب موعد الانتخابات، مشيرًا إلى أن الحكومة الحالية سجلت أرقامًا قياسية في التوسع الاستيطاني، وإقامة البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية.
ويوضح في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذه السياسة تشكل جزءًا من التفاهمات الأساسية داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بشأن الاستيطان، الذي يحظى بإجماع واسع داخل الحكومة الحالية.
ومع ذلك، يرى أن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية أسهم في تسريع وتيرة الاستيطان لسببين رئيسيين؛ الأول يتمثل في سعي حكومة نتنياهو إلى فرض وقائع جديدة على الأرض قبل احتمال وصول حكومة جديدة قد لا تتبنى النهج ذاته بالوتيرة نفسها، ما يجعل التراجع عن هذه الوقائع أكثر صعوبة مستقبلًا.
أما السبب الثاني، بحسب أبو علان، فيتعلق بالدعاية الانتخابية، خصوصًا بالنسبة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي شهد تحسنًا ملحوظًا في استطلاعات الرأي خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أن كان قريبًا من نسبة الحسم، قبل أن يتجاوزها ويحصد في بعض الاستطلاعات نحو خمسة مقاعد.
ويؤكد أبو علان أن الاستيطان يمثل سياسة إسرائيلية ثابتة، وإن كانت وتيرته تتصاعد خلال الفترات الانتخابية لأغراض دعائية، إلا أن جوهر السياسة يبقى قائمًا بغض النظر عن الاستحقاقات الانتخابية.
وفيما يتعلق بالحكومة الإسرائيلية المقبلة، يشير إلى تصريحات زعيم المعارضة نفتالي بينيت، الذي طرح رؤية تقوم على فرض السيطرة وضم مناطق (ج) والإبقاء على مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الفلسطينية، وهو ما يعني عمليًا السيطرة الإسرائيلية على نحو 62–63% من مساحة الضفة الغربية.
ويرى أبو علان أن هناك توافقًا واسعًا بين مختلف القوى السياسية الإسرائيلية، سواء في الائتلاف أو المعارضة، حول عدد من القضايا الأساسية، بينما يتركز الخلاف حول مستقبل مناطق (أ) و(ب) فقط.
وتطرح شخصيات سياسية وأمنية بارزة نفسها بديلًا لنتنياهو لا تبدو بعيدة عن هذه التوجهات العامة، في ظل وجود توافق إسرائيلي على قضايا تعتبر جوهرية، من بينها اعتبار القدس عاصمة موحدة لـ "إسرائيل"، ورفض إخلاء المستوطنات أو ترحيل المستوطنين من الضفة الغربية، ورفض إقامة دولة فلسطينية بين النهر والبحر، وفقًا لـ "ضيف سند".
ويرجح أبو علان أن أي تغيير محتمل في الحكومة الإسرائيلية المقبلة لن يكون تغييرًا جوهريًا في المسار السياسي، بل قد يقتصر على تخفيف وتيرة الاستيطان أو اتخاذ بعض الإجراءات الاقتصادية والإدارية، مثل توسيع تصاريح العمل للفلسطينيين أو الإفراج عن جزء من أموال المقاصة.
ويؤكد، أن أي تغييرات متوقعة ستكون محدودة ولن تمس الأسس الرئيسية للسياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية.
