صناعة الأحذية في الخليل .. تحديات تواجه الصمود

حجم الخط
نزار الفالوجي - وكالة سند للأنباء

"صناعة خلايلية" هذه العبارة لطالما سمعناها من البائعين في الأسواق الفلسطينية، أي أنها مفتاح للتأكيد على جودة المنتج المصنوع.

بقيت مدينة الخليل، قلعة الاقتصاد الفلسطيني ذو السيط المميز، حاضرة بصناعتها الفريدة وتجارتها في الأسواق المحلية والدولية، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها وتهدد استمراريتها.

وتختص مدينة الخليل، بصناعة الأحذية التي تعتبر بمثابة "تجارة البترول" بالنسبة لصانعيها، ويُساهم في إنتاجها الرجال والنساء والأطفال، من خلال المصانع المنتشرة في جميع أنحاء المدينة.

سياسات غير سليمة

ويشكل مردود صناعة الأحذية دخلاً مميزاً، ساهم في تشكيل حاضنة للصمود والرباط في ظل سياسات الاحتلال التي  تسعى للتضييق بكافة الطرق على المواطن الفلسطيني.

سياسات العولمة والانفتاح وعدم حماية المنتج الوطني، وبعض الاتفاقيات الدولية الاقتصادية حاصرت إنتاج صناعة الأحذية بالخليل، وباتت تصارع للحفاظ على أصالتها.

 وفي ظل فتح الاستيراد، تعرض لضربة قاضية، انعكست سلباً على الإنتاج والتسويق والدخل الفلسطيني، الأمر الذي تسبب بإغلاق مئات المصانع والورش المختصة بصناعة الحذاء الخليل.

تراجع ملحوظ

في عام 2000 بدأت الصناعة تشهد تراجعاً، كما أوضح عضو مجلس إدارة ملتقى رجال الأعمال الفلسطيني إبراهيم سياج، وصاحب مصنع أحذية في الخليل.

وبين سياج لـ"وكالة سند للأنباء"، أن صناعة الأحذية كانت تشكل دخلا سنويا يزيد عن 300 مليون دولار عام 2000م، وتراجع ليصل نهاية عام 2018م الى 42 مليون دولار .

وأشار إلى أن حجم الإنتاج عام 2000 وصل إلى نحو عشرة ملايين جوز حذاء، ليتراجع حتى نهاية عام 2018م إلى قرابة مليوني حذاء فقط.

هذا الانخفاض الكبير في الإنتاج والدخل، سببه الإفراط بلا ضوابط في استيراد الحذاء الصيني غير المتقن ورخيص الثمن، إضافة الى عدم حماية المنتوج الوطني من قبل السلطة الفلسطينية، وذلك بسبب الاتفاقيات الاقتصادية، لا سيما اتفاقية باريس الاقتصادية .

ولفت سياج إلى أن هذا التراجع الكبير أدى إلى إغلاق مئات المصانع، لتصل عام 2018 إلى 230 منشأة بعد أن كانت الضفة الغربية تحتضن نحو 1300 مصنع وورشة لصناعة الاحذية، غالبيتها بمحافظة الخليل تراجعت.

تركٌ للمهنة

أشار رئيس اتحاد الصناعات الجلدية الفلسطينية حسام الزغل، إلى أن هذا التراجع السحيق أدى إلى زيادة نسبة البطالة في الشارع الفلسطيني.

 وذكر الزعل لمراسل وكالة سند للأنباء، أن الاتحاد أجرى دراسات مسحية أظهرت تراجع العاملين في حقل صناعة الأحذية من نحو خمسين ألف عامل إلى 500 عامل في هذا القطاع.

 وبيّن أن نسبة البطالة في صانعي الأحذية زادت عن 79%، وأن غالبية الصناع تحولوا إلى مهن أخرى مثل سياقة سيارات الأجرة أو عمال خام في مجالات متعددة.

وأضاف الزعلى أن هذا التراجع أدى إلى تراجع في الدخل الوطني العام، فسعر الحذاء الخليلي في الأسواق العالمية والفلسطينية نحو 30 دولارا لكن سعر الحذاء الصيني المستورد غير المتقن والذي لا يعمر طويلا يباع في الأسواق الفلسطينية بخمسة دولارات.

وتشير معطيات دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني في تقريرها السنوي لعام 2018م إلى أن 1100 منشأة كانت تعمل في الضفة الغربية على صناعة الأحذية، وكانت تشغل نحو 37500 عامل، تقلصت اليوم لتصل إلى 93 منشأة مسجلة رسميًّا و120غير مسجلة.

وذكرت المعطيات إلى أن الطاقات الإنتاجية لهذه المنشآت لا تزيد عن 20%، مقابل استيراد نحو 25 مليون زوج حذاء من الصين طرحت في الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية حتى نهاية عام 2018م فقط، في ظل غياب الحماية والدعم للمنتوجات والصناعات الوطنية.

محاولات للتطوير

وقال رئيس الغرفة التجارية الصناعية في الخليل، عبده ادريس: "لقد دمرت صناعة الأحذية في الخليل، بسبب حركة الاستيراد المهولة غير المضبوطة، وغياب الدعم والرعاية للصانع الفلسطيني، وكذلك الضرائب المرتفعة".

وطالب ادريس في حديث خاص لمراسل سند الجهات المختصة دعم الصانع الفلسطيني  وحمايته، ووضع الخطط والدراسات للنهوض بالمنتج الوطني الذي كان يشكل رافعة للاقتصاد الفلسطيني.

وأوضح ادريس أنه في إطار خطة التطوير تم إيجاد مختبر لفحص جودة الأحذية، ومختبر آخر لتصميمها على الكمبيوتر وإخراجها بطريقة مبتكرة.

وقال إنه تم عمل دائرة معلومات تسويقية وتدريبية للعاملين، من خلال استقطاب عدد من الخبراء الدوليين في مجال التصميم والتسويق، الأمر الذي رفع من التقنيات والخبرات لدى هذه الشركات والمصانع.

وأوضح ادريس أن ما سبق، كسر ثقافة العمل المنفرد ليصبح عدد كبير من مصانع الأحذية يعمل بشكل مشترك، وتدريجياً بدأ القطاع يستعيد عافيته ويعود له بعض الزخم، وتم اعتماد قطاع الأحذية والجلود في الاستراتيجية الوطنية للتصدير.

وأضاف: "أصبح الحذاء الخليلي يصدر إلى دول ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربي وإفريقيا، دون الحاجة إلى قنوات التجار الإسرائيليين، الذين كانوا يسرقون صناعتنا الوطنية بصنع في إسرائيل".

وأشار ادريس إلى أن الحذاء الخليلي يخرج للعالم وقد كتب عليه "صنع في فلسطين"، ورغم ذلك لا زالت نسبة الأحذية المستوردة مرتفعة جداً كما أكد الزغل.

وتعادل نسبة الاستيراد في مهنة صناعة الأحذية 70%، وأن نسبة المنتج الوطني تساوي 10% فقط،  ما ولّد شعورًا بالإحباط لدى أصحاب المهنة، وقلص من حجم الاستثمارات في قطاع الأحذية والصناعات الجلدية نحو 150 مليون دولار .