أثار استهداف محيط سد القرعون في جنوب لبنان بغارات جوية إسرائيلية مخاوف واسعة بشأن سلامة واحدة من أهم منشآت المياه والطاقة في البلاد، وسط تحذيرات من أن أي أضرار مستقبلية قد تهدد الأمن المائي والاقتصادي للبنان، في وقت ربط فيه خبراء هذه الضربات بتاريخ طويل من الاهتمام الإسرائيلي بمنابع المياه اللبنانية، ولا سيما نهر الليطاني.
وشنت الطائرات الإسرائيلية في 26 مايو/أيار غارات قرب السد، ما أدى إلى تدمير الطرق المؤدية إليه وتناثر الحطام في بحيرة القرعون، بينما أصابت الشظايا منشآت وممتلكات تقع على مقربة من السد.
وقال المواطن اللبناني علي عدي ياسين، الذي يملك استراحة سياحية تبعد نحو 200 متر عن السد، إن الغارات كانت عنيفة وأثارت حالة من الذعر بين السكان.
وأضاف أن الأرض اهتزت بفعل الانفجارات، فيما غطى الغبار والدخان المنطقة، مشيراً إلى أن السؤال الذي تردد بين الأهالي كان: "لماذا تستهدف إسرائيل السد؟".
ويعد سد القرعون، الذي شُيّد عام 1959، أكبر منشأة مائية في لبنان، إذ يحتجز مياه بحيرة القرعون، أكبر خزان مائي في البلاد، ويغذي أربع محطات لتوليد الطاقة الكهرومائية، كما يوفر المياه لنحو 30% من الأراضي الزراعية اللبنانية، ويشكل العمود الفقري لمنظومة نهر الليطاني الممتدة من سهل البقاع حتى جنوب البلاد.
عناصر الأمن القومي
وقال المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية إن المنطقة التي تعرضت للقصف ليست طريقاً عادياً، وإنما جزء من المنظومة الهندسية الخاصة بحماية السد واستقراره.
وأوضح أن الطرق والجسور والصخور المحيطة بالسد تشكل طبقة حماية للمنحدر الخلفي للمنشأة، مؤكداً أن استهدافها يمثل تهديداً مباشراً للأمن المائي والاقتصادي اللبناني.
وأضاف أن لبنان ينظر إلى سد القرعون باعتباره أحد أهم عناصر الأمن القومي، خاصة في ظل تراجع معدلات الأمطار وتزايد آثار التغير المناخي وارتفاع الطلب على المياه.
ويأتي استهداف السد في ظل استمرار التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية، حيث تحول نهر الليطاني خلال الأشهر الأخيرة إلى محور رئيسي في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
وكان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن في وقت سابق أن الجيش الإسرائيلي سيواصل السيطرة على "منطقة أمنية" تمتد حتى نهر الليطاني إلى حين إنهاء ما وصفه بتهديد حزب الله، بينما تشير تقارير إلى استمرار وجود قوات إسرائيلية في مناطق تقع شمال النهر.
كما تعرضت الجسور والطرق الممتدة على طول الليطاني لسلسلة غارات جوية، ما أدى إلى عزل أجزاء واسعة من جنوب لبنان عن بقية المناطق.
خدمة المشروع الصهيوني
يرى مراقبون أن استهداف سد القرعون يضيف بعداً جديداً للصراع، نظراً لما يمثله السد من أهمية استراتيجية تتجاوز البعد العسكري إلى الأمن الغذائي والطاقة والمياه.
ويشير باحثون إلى أن الاهتمام الإسرائيلي بنهر الليطاني يعود إلى بدايات المشروع الصهيوني، إذ تضمنت الخرائط التي قدمتها المنظمة الصهيونية إلى مؤتمر باريس للسلام عام 1919 النهر ضمن حدود الدولة اليهودية المقترحة.
كما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون عام 1947 أن الليطاني ينبغي أن يشكل الحدود الشمالية لإسرائيل.
وخلال العقود الماضية، ارتبط النهر بعدد من العمليات العسكرية الإسرائيلية، بدءاً من عملية الليطاني عام 1978، مروراً باجتياح لبنان عام 1982 الذي شهد سيطرة القوات الإسرائيلية على مناطق واسعة حتى بحيرة القرعون، وصولاً إلى حرب يوليو/تموز 2006، عندما وصلت القوات الإسرائيلية إلى ضفاف النهر قبل وقف إطلاق النار.
ورغم أن الفحوصات الفنية التي أجريت عقب غارات مايو لم تظهر أضراراً إنشائية مباشرة في جسم السد، فإن المسؤولين اللبنانيين يحذرون من أن تكرار استهداف البنية التحتية المساندة قد يؤدي إلى مخاطر مستقبلية.
وقال علوية إن أي خلل بسيط في أنظمة التشغيل أو المراقبة أو المنشآت المساعدة، إذا لم تتم معالجته سريعاً، قد يتطور إلى خطر كبير، مشيراً إلى أن السد يخزن عشرات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه.
وأضاف أن انهيار السد - في حال حدوثه - سيؤدي إلى موجة فيضانات واسعة قد تجتاح مناطق غرب البقاع والقرى الواقعة على امتداد الحوض الأدنى لنهر الليطاني، مهددة السكان والبنية التحتية والطرق والجسور والمنشآت الزراعية والكهربائية.
وفي قرية القرعون المجاورة، التي كانت تُعد قبل الحرب وجهة سياحية محلية تستقطب آلاف الزوار خلال فصل الصيف، تبدل المشهد بشكل كامل.
فبعد الغارات الأخيرة، أعلنت مصلحة نهر الليطاني المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، وأغلقت المقاهي والمتنزهات أبوابها، بينما تستضيف القرية حالياً آلاف النازحين من البلدات المجاورة.
وقال عضو المجلس البلدي ربيع شبلي إن عدداً كبيراً من العائلات لا يزال غير قادر على العودة إلى منازله بسبب استمرار الغارات، مشيراً إلى أن الضربات ألحقت أضراراً بمنشآت مرتبطة بالسد وقطعت الطرق المؤدية إليه في عدة مواقع.
المياه كسلاح حرب
من جانبه، اعتبر الخبير الفلسطيني في حوكمة المياه عمرو واوي أن استهداف البنية التحتية المائية في لبنان ينسجم مع نمط أوسع من استهداف الموارد الحيوية.
وأوضح أن المياه شكلت على مدى سنوات إحدى أدوات الصراع في الأراضي الفلسطينية، من خلال السيطرة على الموارد المائية واستهداف شبكات وآبار المياه، معتبراً أن ضرب المنشآت المائية في لبنان يهدف إلى إضعاف قدرة المجتمعات المحلية على الصمود وخلق ظروف تدفع إلى النزوح.
وأضاف أن استهداف مصادر المياه لا يقتصر على الأثر المباشر، بل يمنح دولة الاحتلال ورقة ضغط سياسية يمكن استخدامها في أي ترتيبات مستقبلية، في ظل الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الموارد المائية بالنسبة للبنان.
وفي المقابل، أكد أن هناك اختلافاً بين النموذجين الفلسطيني واللبناني، إذ تقوم السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية على السيطرة المباشرة على الموارد المائية، بينما يتركز النهج في لبنان على إضعاف البنية التحتية الحيوية دون فرض سيطرة مباشرة عليها، رغم وجود طموحات تاريخية تتعلق بمنطقة الليطاني.
وبينما يواصل سكان القرعون تفقد آثار الغارات، يقول علي ياسين إن المنطقة كانت تعول على الموسم الصيفي لتعويض خسائر الحرب، لكن الضربات الأخيرة وجهت ضربة قاسية لقطاع السياحة ولسبل عيش مئات العائلات.
وأضاف أن الغارة الأخيرة كانت الأعنف مقارنة بما شهدته المنطقة خلال العام الماضي، مؤكداً أن السكان لم يفقدوا فقط الشعور بالأمان، بل باتت مصادر رزقهم مهددة أيضاً في ظل استمرار التصعيد.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
