تقضي الفتاتان الفلسطينيتان ندى بني عودة (17 عاماً) وعلا قطيشات (16 عاماً) أسابيع كان من المفترض أن تشهدا خلالها استكمال دراستهما المدرسية، داخل سجن دامون الإسرائيلي، في وقت تؤكد عائلتاهما أن اعتقالهما عطّل تعليمهما وأوقف طموحاتهما الأكاديمية.
وكان من المقرر أن تتقدم ندى لامتحانات الثانوية العامة الفلسطينية "التوجيهي" هذا العام، فيما أنهت علا الصف الحادي عشر وكانت تستعد لعامها الدراسي الأخير، إلا أن الفتاتين، اللتين تعدان من أصغر الأسيرات الفلسطينيات، تواجهان جلسات محاكمة متكررة بعد اعتقالهما في قضيتين منفصلتين على خلفية منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتقول عائلتاهما إن أكثر ما يشغل الفتاتين داخل السجن ليس مجريات المحاكم، وإنما الدراسة، إذ تواصلان السؤال عبر الرسائل التي ينقلها المحامون والأسيرات المفرج عنهن عن درجاتهما وزميلاتهما في المدرسة، وإمكانية استكمال تعليمهما بعد الإفراج عنهما.
اعتقال تعسفي لقاصرات في الضفة
وقالت والدة ندى بني عودة، غرام أبو عائشة، إن القوات الإسرائيلية داهمت منزل العائلة في بلدة طمون بالضفة الغربية المحتلة قبل فجر 12 فبراير، موضحة أنها اعتقدت في البداية أن الجنود جاءوا لاعتقال زوجها.
وأضافت: "لم أتخيل أبداً أنهم سيأتون لأخذ ابنتي. ثم سألوا: أين الطالبة التي تدرس التوجيهي؟".
وبحسب والدتها، ارتدت ندى ملابسها وسلمت هاتفها المحمول بهدوء، مؤكدة أنها لا تخفي شيئاً، قبل أن تقتادها القوات الإسرائيلية إلى الخارج.
وقالت الأم إن ابنتها حاولت مواساتها أثناء الاعتقال، قائلة لها: "لماذا تبكين؟ حتى لو عدت بعد عام أو عامين، سأعود إلى المنزل وأحصل لكِ على أعلى الدرجات".
وأوضحت غرام أن آخر ما قالته لها ابنتها قبل مغادرتها كان: "اعتني بأختي الصغيرة"، مضيفة أن ندى كانت طالبة متفوقة، ودائماً من أوائل صفها، وكانت تطمح إلى التفوق في امتحانات التوجيهي.
وأشارت إلى أن ابنتها كانت ترغب في تحقيق ما لم يتمكن شقيقها وديع من تحقيقه بعد استشهاده برصاص القوات الإسرائيلية في مايو 2025.
وأكدت أن ندى لا تزال، رغم احتجازها، تسأل باستمرار عن المدرسة ودرجاتها، مضيفة: "إنها تطلب مني ألا أبكي، وتقول إنها ستعود، وتواصل دراستها، وتجعلني فخورة بها".
وقالت إن الاعتقال ترك فراغاً كبيراً في حياة الأسرة، موضحة أنهما كانتا تتشاركان الأحاديث اليومية والنزهات المسائية، وأضافت: "أفتقد كل شيء فيها... كنا نتحدث لساعات ونضحك معاً، بل ونبكي معاً بعد مقتل شقيقها".
وأشارت إلى أن قضية ابنتها شهدت تأجيلاً متكرراً في جلسات المحكمة، مضيفة أن ندى احتجزت في بعض الفترات بمعزل عن بقية الأسيرات إلى جانب قاصر أخرى.
اعتقال مئات القاصرات
تحتجز مصلحة السجون الإسرائيلية حتى نهاية ديسمبر، نحو 351 قاصراً فلسطينياً لأسباب وصفتها بـ"الأمنية"، إضافة إلى 106 قاصرين من الذكور.
وأكدت والدة ندى أن جميع الرسائل التي تصلها من ابنتها تتضمن محاولة لطمأنتها، وقالت: "إنها دائماً تقول لي ألا أبكي، وإنها ستعود وتواصل دراستها وتجعلني فخورة بها"، مضيفة: "أنا فخورة بها. أريد فقط أن أحتضنها مرة أخرى".
وفي قضية مشابهة، اعتقلت القوات الإسرائيلية الفتاة علا قطيشات (16 عاماً) من منزل عائلتها في بلدة طمون خلال مداهمة قبل فجر 24 مايو.
وقالت شقيقتها إن علا كانت قد أمضت مساء اليوم السابق في دراسة اللغة الإنجليزية استعداداً لامتحان مدرسي، مضيفة: "استيقظنا على جنود يقفون فوق رؤوسنا... وكان من المفترض أن تواصل دراستها في صباح اليوم التالي".
وأوضحت العائلة أن الجنود فصلوا النساء عن الرجال، واحتجزوا علا وشقيقتها في غرفة أثناء تفتيش المنزل، دون تقديم مذكرة اعتقال أو توضيح أسباب المداهمة.
وأضافت أن الجنود قيدوا يدي علا وعصبوا عينيها أمام أفراد الأسرة، فيما تعرض والدها للدفع عندما حاول التدخل.
وقالت شقيقتها: "كنت أقول لهم باستمرار: إنها تبلغ من العمر 16 عاماً فقط. لماذا تأخذونها؟ لم تكن تحمل أي شيء. لم تكن تشكل أي تهديد. كانت تفكر فقط في امتحان اللغة الإنجليزية".
وأشارت العائلة إلى أن الجنود طالبوا علا بتسليم هاتفها المحمول، وهددوا بتخريب المنزل إذا لم يتم تسليمه، قبل أن يغادروا بها دون توضيح طبيعة الاتهامات.
ولا تزال علا محتجزة في سجن دامون بانتظار البت في قضيتها، فيما قال والدها إنها مثلت أمام المحكمة عدة مرات، إلا أن جميع الجلسات انتهت بالتأجيل.
وأضاف أن التهمة الموجهة إليها هي "التحريض"، دون صدور أي حكم حتى الآن، مشيراً إلى أن القاضي العسكري استفسر من النيابة عن سبب عدم إحراز تقدم في القضية.
وقال: "إنهم يواصلون تأجيل الجلسات. سألهم القاضي: لماذا أحضرتم هذه الفتاة إلى هنا؟ لماذا لم يتم تجهيز القضية بعد؟".
وبحسب العائلتين، تُحتجز ندى وعلا معاً في قسم منفصل داخل سجن دامون بعيداً عن الأسيرات البالغات، ويُسمح لهما بالخروج بصورة منفصلة عن بقية السجينات.
وقالت العائلة إن علا كانت تحلم بأن تصبح صحفية لإيصال صوت الفلسطينيين إلى العالم، إلا أن اعتقالها حال دون تحقيق هذا الحلم.
وقال المحامي حسن عبادي إن سجن دامون تحول، خصوصاً منذ 7 أكتوبر 2023، إلى "مقبرة حية" للسجينات.
وأوضح أن الزنازين تفتقر إلى التهوية، وأن الطعام رديء الجودة، والأمراض لا تتلقى العلاج، ولا تتوفر ملابس احتياطية أو مواد تنظيف، فيما تتعرض السجينات للتفتيش العاري.
وأضاف أن السجن يعاني اكتظاظاً شديداً، إذ تُحتجز ثماني سجينات داخل زنزانة تضم أربعة أسرّة فقط، ما يضطر أربعاً منهن إلى النوم على الأرض.
وأشار إلى أن وضع ندى وعلا أكثر صعوبة، إذ يتم احتجازهما في زنزانة منفصلة بسبب كونهما قاصرتين، في عزلة تامة وتحت مراقبة مستمرة، دون أي خصوصية، مضيفاً أنهما لا تحصلان حتى على الفوط الصحية خلال فترة الحيض.
وقال عبادي: "ما يحدث في سجن دامون ليس مجرد سلسلة من الانتهاكات المعزولة، بل هو نظام قمعي ممنهج، وتجويع، وإذلال يهدف إلى كسر النساء الفلسطينيات جسدياً ونفسياً".
وأضاف: "مع كل شهادة، يتضح أكثر فأكثر أن السجن لم يعد مجرد مكان للاحتجاز، بل أصبح أداة للموت البطيء الذي يُنفذ بدم بارد. ورغم كل هذه المعاناة، تواصل السجينات المقاومة، متمسكات بالقرآن الكريم، وقصصهن، وذكرياتهن كدرع أخير يحمي إنسانيتهن".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
