في صيف غزة، لم تعد الخيمة مجرد ملاذ مؤقت للمأوى على إثر حرب الإبادة، بل تحولت مع اشتداد الحرارة إلى ما يشبه "الأفران" التي تحتجز السخونة وتضاعف معاناة مئات الآلاف من العائلات النازحة.
وفي ظل غياب الكهرباء والانقطاع التام لسبل العيش المقبولة، لم يعد التبريد مجرد وسيلة للرفاهية أو الراحة، بل استحال إلى رحلة صراع يومي ومكابدة مالية ترهق كاهل أسر فقدت كل ما تملك.
جحيم "الشوادر".. البيئة الحارقة داخل الخيام
تتحول الخيام المصنوعة من النايلون والشوادر البلاستيكية مع ساعات الظهيرة إلى بيئة حارقة لا تطاق. تمتص الأغطية البلاستيكية أشعة الشمس وتمنع تسرب الهواء، لتتركز الحرارة داخل الخيمة بدرجات تتجاوز الخارجيّة بمراحل، وتتحول المساحات الضيقة إلى مكان يخنق الأنفاس.
وتجد العائلات نفسها عاجزة أمام أطفال يبكون طوال النهار من شدة الحر، وكبار سن يعانون من أمراض مزمنة واختناقات تنفسية، حيث تحاصرهم أجوائها المغلقة وتتسبب لهم بضربات شمس وطفح جلدي مستمر.
وتشكل هذه البيئة الحارة بؤرة مثالية لانتشار الأمراض الجلدية، والحكة، والجفاف بين الأطفال، في ظل شح المياه ونقص وسائل النظافة الشخصية.
تجارة الظروف القاسية.. الثلج والمياه الباردة
فرضت هذه البيئة القاسية واقعاً اقتصادياً جديداً يُعرف بـ "تجارة الصيف"، حيث استغل بعض أصحاب المولدات أو من يمتلكون أجهزة الطاقة الشمسية تجدد الحاجة للبرودة لبيع المستلزمات الأساسية.
فأصبحت المياه الباردة والعصائر المثلجة، وأكياس الثلج أو القالب الصغير منه سلعة استراتيجية، وتباع بشكل يومي، وتضطر العائلات لشراء كميات محدودة جداً يومياً لمجرد إطفاء ظمأ الأطفال، مما يجعل "الماء البارد" كلفة إضافية تنضاف إلى قائمة مصاريف البقاء.
أقمشة مبللة وورق كرتون.. الوسائل البدائية للتبريد
وأمام الارتفاع الباهظ في أسعار الثلج وتكاليف الشحن اليومية، لم يبقَ لغالبية العائلات سوى العودة إلى أساليب بدائية للغاية؛ في محاولة مستميتة لكسر حدة الحرارة داخل الخيام.
ويجتهد الغزيون طوال ساعات النهار في تبلبل الأقمشة والمناشف بالماء ووضعها على أجساد الأطفال الرضع، ورؤوس كبار السن؛ لتخفيض حرارة أجسادهم ومساعدتهم على التقاط أنفاسهم أو النوم.
ولجأ أهالي غزة لاستخدام قطع الكرتون وأطباق البلاستيك كمراوح يدوية يُلَوَّحُ بها لساعات طويلة لعلها تحرك بعض الهواء الساخن المحتبس.
كما تلجأ بعض العائلات إلى رش أرضية الخيمة وأطرافها الخارجية بالماء لترطيب المكان، رغم أن هذا الحل السرعان ما ينقلب إلى رطوبة خانقة تزيد من صعوبة التنفس وتجعل البقاء داخل الشوادر تجربة قاسية لا تطاق.
الثلاجات والكهرباء.. أزمة حقظ الأطعمة والأدوية
مع غياب التيار الكهربائي وتوقف الثلاجات المنزلية عن العمل بشكل كامل، وواجهت العائلات النازحة تحدياً مصيرياً يتعلق بحفظ الطعام والأدوية الحيوية، وعلى رأسها علاج الأنسولين لمرضى السكري.
أصبحت الأسر تجتهد في ابتكار حيل بدائية لإبقاء هذه العلاجات صالحة للاستخدام، حيث تلجأ لإنشاء ما يشبه الثلاجات الفخارية البدائية من خلال وضع الأدوية داخل أوانٍ فخارية أو لفها بأقمشة مبللة بالماء وتخزينها في أبرد زاوية ممكنة تحت الخيمة، بينما تضطر عائلات أخرى لشراء قطع ثلج صغيرة يومياً لوضعها بجانب الدواء، وهو حل مكلف مالياً وغير مضمون طوال الوقت، مما يعرض الأدوية للتلف ويضع حياة المرضى على المحك.
وفيما يخص الطعام، تخلت غالبية العائلات تماماً عن فكرة تخزين المؤن أو إبقاء الفائض منها، حيث باتت الوجبة تُطهى وتُستهلك فوراً في نفس اليوم؛ للتأكد من عدم فساد المواد الغذائية البسيطة المتبقية بسبب درجات الحرارة العالية.
كلفة النسمة وعبء الشحن اليومي
حتى الوسائل الإلكترونية البسيطة التي حاول النازحون الاستعانة بها للحصول على نسمة هواء تخفف وطأة الحرارة تحولت إلى عبء مالي جديد، يضاف إلى قائمة المصاريف اليومية.
وشهدت الأسواق الشحيحة ارتفاعاً كبيراً في أسعار المراوح المصغرة التي تعمل بصلات بطاريات صغيرة أو منافذ الشحن السريع، ليصل سعر المروحة الواحدة إلى مبالغ باهظة لا تستطيع معظم الأسر توفيرها.
ولم تتوقف التكلفة عند شراء المروحة أو البطارية، بل امتدت لتشمل الشحن اليومي في نقاط الطاقة الشمسية المنتشرة بين المخيمات، حيث يضطر النازحون لدفع مبالغ مالية متكررة لقاء شحن بطارياتهم ومراوحهم لتعمل لساعات معدودة فقط خلال ساعات الليل المقلقة، مما جعل البحث عن هواء بارد داخل الخيمة عملية استنزاف مستمرة لمواردهم المالية الشحيحة.
