كشف موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي عن فضيحة إعلامية داخل واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة، معتبراً أن التغييرات التي تشهدها شبكة CBS News، ولا سيما برنامج "60 دقيقة"، تعكس توجهاً متزايداً نحو تبني خطاب يبرر السياسات الإسرائيلية في غزة، ويقلل من حجم المجاعة، ويستهدف الصحفيين الفلسطينيين الذين يوثقون الحرب.
وقال الموقع إن تعيين الصحفية تانيا لوكيانوفا منتجةً مشاركة في برنامج "60 دقيقة" يمثل أحدث حلقات هذا التحول، مشيراً إلى أن أبرز أعمالها الصحفية خلال العام الماضي تضمنت تقارير سعت إلى التشكيك في المجاعة التي تضرب قطاع غزة، وأخرى بررت استهداف الصحفيين الفلسطينيين عبر ربطهم بحركة حماس.
وبحسب التقرير، فإن هذه الخطوة تأتي في سياق إعادة هيكلة واسعة لشبكة CBS News عقب استحواذ عائلة إليسون على شركة باراماونت في صفقة بلغت قيمتها نحو ثمانية مليارات دولار، وهي عملية يرى الموقع أنها صاحبتها تغييرات تحريرية وصفها بأنها تميل بصورة واضحة نحو اليمين الأمريكي، إلى جانب تبني مواقف أكثر دعماً لإسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن هذه التحولات جاءت بعد سلسلة من الاستقالات والإقالات داخل الشبكة، إضافة إلى اتهامات بتقويض استقلالية غرف الأخبار، والسعي إلى إعادة تشكيل الخط التحريري بما يتوافق مع توجهات المالكين الجدد.
حجب حقيقة المجاعة في غزة
يرى الموقع أن اختيار الصحفية لوكيانوفا لم يكن قراراً مهنياً بقدر ما يعكس توجهاً سياسياً، نظراً لدورها في إعداد ونشر تقارير أثارت انتقادات واسعة داخل الأوساط الصحفية والحقوقية.
ومن أبرز هذه التقارير، وفق "ذا إنترسبت"، مادة نشرت في أغسطس/آب 2025 حملت عنواناً يشير إلى أن الأطفال الذين تحولوا إلى رموز للمجاعة في غزة كانوا يعانون من أمراض صحية أخرى، في محاولة، للتقليل من مسؤولية سياسة التجويع عن وفاتهم.
وأكد الموقع أن التقرير تعرض لانتقادات حادة من صحفيين وباحثين ومنظمات حقوقية، لأنه أوحى بأن الأمراض المزمنة، وليس نقص الغذاء والدواء، هي السبب الرئيسي في تدهور أوضاع الأطفال الفلسطينيين.
وأوضح أن متابعة لاحقة أجراها موقع دروب سايت نيوز خلصت إلى أن الحالات التي تناولها التقرير لم تكن لتصل إلى تلك المرحلة الحرجة لولا الحصار ونقص الغذاء والدواء، مشيراً إلى أن المجاعات عادة ما تحصد أولاً أرواح الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو أوضاع صحية هشة.
وأضاف "ذا إنترسبت" أن المقال تجاهل السياق الإنساني الكامل للأزمة، والمتمثل في القيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء، وما ترتب عليها من انهيار واسع في النظام الصحي داخل قطاع غزة.
التحريض على الصحفيين في غزة
في سياق آخر، أشار التقرير إلى أن لوكيانوفا أعدت أيضاً تحقيقاً آخر زعم وجود تعاون بين صحفيين فلسطينيين في غزة وحركة حماس، مستنداً بصورة رئيسية إلى معلومات وفرها ما يسمى "مركز اتصالات السلام"، الذي وصفه الموقع بأنه منظمة مؤيدة لإسرائيل تضم شخصيات وممولين معروفين بدعمهم للمشروع الصهيوني.
وانتقد "ذا إنترسبت" اعتماد التقرير على هذه المصادر دون الإشارة إلى خلفياتها السياسية أو طبيعة تمويلها، معتبراً أن المادة قدمت الصحفيين الفلسطينيين بوصفهم أهدافاً مشروعة للهجمات الإسرائيلية، عبر الإيحاء بأن أي علاقة أو صلة مزعومة بحركة حماس تبرر استهدافهم.
ولفت التقرير إلى أن هذه الرواية جاءت في وقت كانت فيه دولة الاحتلال قتلت أكثر من 240 صحفياً وإعلامياً في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو ما جعل الحرب على غزة، وفق مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون، الصراع الأكثر دموية بحق العاملين في مجال الإعلام في التاريخ الحديث.
وأكد الموقع أن هذه التغطيات الإعلامية لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي والإعلامي العام داخل الولايات المتحدة، حيث يرى أن بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى انتقلت من مجرد الانحياز للرواية الإسرائيلية إلى تبني خطاب يبرر سياسات التجويع، ويقلل من آثارها الإنسانية، ويطعن في مصداقية الصحفيين الفلسطينيين الذين يوثقون ما يجري على الأرض.
واعتبر "ذا إنترسبت" أن تعيين صحفيين ارتبطت أعمالهم بهذه التغطيات في مواقع قيادية داخل أحد أكثر البرامج الإخبارية الأمريكية تأثيراً يمثل مؤشراً على استمرار هذا النهج بدلاً من مراجعته، رغم الانتقادات المتزايدة التي تواجهها وسائل الإعلام الأمريكية بسبب تغطيتها للحرب على غزة.
وخلص إلى أن ما تشهده مؤسسات إعلامية أمريكية بارزة يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تسييس العمل الصحفي، وتقديم روايات تتوافق مع المصالح السياسية أكثر من التزامها بالمعايير المهنية، معتبراً أن هذه السياسات أسهمت في حجب جانب كبير من حقيقة المجاعة والأزمة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع "ذا إنترسبت" أضغط هنا
